مقال إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام يوم الجمعة 31 يناير 1997

أسطورة عَبَدَة الشيطان: أرشيف القضية الصحفي.. بدايات "الأمنجية"

حرصت روز اليوسف أن تَصِف لنا سجن المرج بأنه أصبح محاطًا بالسيارات المرسيدس والشيروكي والهوندا الفاخرة أثناء زيارات أهالي المتهمين، وكتبت بالحرف: "لوحظ على المتهمين الحرص على شرب المياه المعدنية!"

جزء من فهمنا للمشهد الإعلامي والصحفي المزري اليوم يجب أن يكون مبنيًا على معرفتنا بالماضي وأحداثه وخصوصا البدايات، فمن هم على الساحة ليسوا وليدي اليوم، بل أن بعضهم أظهر كرامات وميل مبكر للتطبيل والزمر وقلب الحقائق وليّ عنق الآيات منذ عقود، وأرشيف الصحف خير شاهد ودليل، دعونا نغطس في الزمان للوراء حوالي 20 سنة لنفهم ما كانت عليه الدنيا.

حسب ما لديّ في أرشيفي الشخصي فالأمر بدأ في صبيحة يوم 11 نوفمبر 1996، تقرير صغير بعنوان "نادي عبادة الشيطان في مصر الجديدة"، وبعدها بأسبوع تحول التقرير إلى ملف في صفحة 78 من مجلة روز اليوسف بعنوان "شعارات عبادة الشيطان على جدران منشية البكري".

التقرير كتبه عبد الله كمال، واحد من أشهر مؤيدي حسني مبارك. عام 1996 كان عبد الله يسكن بمنطقة شعبية بحدائق القبة، ولكن بعد الثورة أنشأ كمال موقع دوت مصر بتمويل إماراتي، وقبل وفاته استدعاه جهاز الكسب غير المشروع عام 2011 بسبب بلاغات متعلقة بثروته. وتزعم صفحة "شرفاء روز اليوسف" على فيسبوك أن ثروته بلغت 60 مليون جنيه.

حفلت تقارير روز اليوسف بأقوال مرسلة لم يَرِد عليها أي دليل أو إثبات حتى في تحقيقات أمن الدولة: تدنيس مقابر الكومونويلث، صلوات شيطانية في صحراء سقارة وأكتوبر يزعم عبدالله كمال أنه حضرها بنفسه، شُرْب أكواب من الدماء، استخدمت التقارير ألفاظًا مضحكة مثل "هت بانجس" ويقصد بها الهيد بانجينج headbanging و"سباضورا" قاصدين فريق "سيبالتورا" Sepultura في دليل واضح على أن الكاتب لا يفقه شيئا عما يكتبه.

تصدرت في تقريره الثالث المنشور 9 ديسمبر/كانون أول 1996 صورة لسنوب دوج Snoop Dogg، أحد مغنيي الراب الأمريكيين الذين لا علاقة لهم بالروك من أساسه، ثم كانت لهجة التقرير الثالث دفاعية أكثر بعد أن هوجم عبد الله بسبب فبركته، بالإضافة الى "الفتيْ" بأن اليزيديين يعبدون الشيطان ويمضي في هذه الهرتلة لمدة صفحة كاملة ثم يسرد حواديت من فرنسا وأمريكا عن عبدة الشيطان لا علاقة لها بمصر فقط، بغرض الإثارة، ومنها قصص المجرم الأمريكي تشارلز مانسون Charles Manson وديفيد كوريش David Koresh، الأمريكي الذي زعم أنه النبي الأخير، والذي قامت المباحث الفيدرالية بمذبحة ضد أتباعه.

كل هذه الأمثلة كانت تحريضا واضحا على سمّيعة الميتال في مصر.


اقرأ أيضًا: أسطورة عَبَدَة الشيطان: 19 عاما على مطاردة "المَتّيلة"


حرص عبد الله كمال على الربط بين الظاهرة المزعومة والتطرف الديني، فزعم أن التطرف الديني وليد الفقر بينما عبادة الشيطان وليدة الثراء، وهذا بالضبط كان مطلب الداخلية من القضية.

استمر في التحليل ليثبت أن الظاهرة سببها زواج المصريين بالأجانب، واتهم رسام تاتّو أرمني مصري بأنه يعبد الشيطان في تحريض على الأرمن المصريين الآمنين، ثم يحذر من جرائم قتل قادمة، تماما كما يحذر السيسي من الإرهاب المحتمل كدا، ويزعم أن أحدهم اعترف له بأنهم يحملون الخناجر، ويُنهي ثاني تقرير له بقصة شابين من المعادي تركا عبادة الشيطان وأطلقا اللُحى وأصبحا متطرفين إسلاميين، كداهو زمبؤلك.

أما عمرو سليم، الذي ألحِقَت كاريكاتيراته بتقارير عبد الله كمال، فقد اكتفى بالقلش لأنه مش فاهم، وواضح إنه ماكانش عاوز يفتي، فرسم رجلًا يصرخ "الحقونا شيطان" بينما تفتح زوجته الباب لحماته، ورسم مشجعا زملكاويًا يقول للشيطان: "قال شياطين حمر قال أما نشوفكم ها تعملوا ايه مع الزمالك في الدور الثاني".

كاريكاتير لعمرو سليم - من أرشيف وائل عباس

أما عدد روز اليوسف بتاريخ 3 فبراير/شباط 1997، الذي ظهر بعد تحول الموضوع إللى قضية رأي عام والقبض على الشباب من قبل أمن الدولة فقد حدث فيه انقسام شديد ظاهريا.

قالت افتتاحية العدد بقلم محمود التهامي: "فجّرنا قضية عبدة الشيطان ليناقشها المجتمع لا لتصبح جريمة أمام النيابة". وبدأ عادل حمودة نائب رئيس التحرير وقتها، والذي نُشِرَت كل التحقيقات بعلمه وموافقته ورضاه، في مهاجمة مفتي الجمهورية نصر فريد واصل الذي طالب بإقامة الحد، وكذلك الهجوم على البابا شنودة وفهمي هويدي الذي انتهز الفرصة لمهاجمة حرية الفكر، وجمال بدوي الذي طالب في جريدة الوفد بمحاكمة عسكرية للمتهمين.

أطلق حمودة عليهم اسم "الندّابات"، في محاولة للتنصل من الجريمة التي كان شريكًا فيها، خصوصا وأنه ورّط عددًا كبيرًا من "ولاد الناس" فيها، وطبعا الناس دول مش هيسكتوا. وحرصت روز اليوسف أن تَصِف لنا سجن المرج بأنه أصبح محاطًا بالسيارات المرسيدس والشيروكي والهوندا الفاخرة أثناء زيارات أهالي المتهمين، وكتبت بالحرف: "لوحظ على المتهمين الحرص على شرب المياه المعدنية!"

غلاف روز اليوسف، من أرشيف وائل عباس

قالت حمدية حمدي مذيعة البرنامج الشهير وقتها "العالم يغني" في تصريحات لروز اليوسف: "هذا النوع من الموسيقى يؤدي إلى الطَرَش ويثير الأعصاب وبها كلام فاضي، ولا يوجد تعبير موسيقي وهي مجرد عبث وتقليد أعمى للغرب".

لا فض فوك يا حمدية والله. بينما قال خيري السمرة، رئيس لجنة الصحة بالحزب الوطني الحاكم وقتها، إن سمّيعة الميتال عندهم "سيكوباتية" لكن شباب مصر متدين وبخير. ونشرت روز اليوسف في هذا العدد نداء إلى الموسيقار عمر خيرت: لا تهاجر من وطنك! بعد أن أعلن نيته الهجرة بأبنائه بعد خروجهم من الحبس في نفس القضية.

وأعطى عادل حمودة المذيعة هالة حشيش عمودًا كاملًا في المجلة لتتنصل فيه من علاقتها بالقضية رغم أنها كانت في لجنة تحكيم مسابقة مارلبورو التي خُصِّصَت لتلك الموسيقى، والتي أقيمت في ستاد المقاولون، ونظّمها محمد عبد المنعم الصاوي، صاحب ساقية الصاوي حاليا، وكان معها في اللجنة حمدية حمدي وموسيقي الجاز يحيى خليل والمايسترو أحمد الصعيدي، الذين تنصلوا جميعا من الموضوع ولم يحاولوا الدفاع عن الشباب على الأقل.


اقرأ أيضًا: أسطورة عَبَدَة الشيطان: إكويليبريوم 1997


اختفى اسم عبد الله كمال من هذا العدد تمامًا بينما لوحظت زيادة رهيبة في كمية الإعلانات خصوصًا ذات الصفحات الملونة والطباعة الفاخرة داخل المجلة: الشركة المصرية للحراريات، صندوق الدلتا للاستثمار: إيديال ستاندارد، أركوارزو للبويات، شركة بيع المصنوعات، الشركة العامة للصوامع، تيكمان، ثلاجات ايديال، كل إعلان كان على صفحة كاملة.

إلى جانب إطارات نسر على صفحتين، وصفحة إعلانية خاصة بعنوان: سورية في عهد حافظ الأسد. وصفحة إعلانية أخرى بعنوان: الإدارة الإنتاجية في القوات المسلحة السورية!

إعلانات في روز اليوسف عن حافظ الأسد

وقال وائل الإبراشي في تحقيق كتبه عن الموضوع إن الشرطة رصدت 35 فريقًا غنائيًا للميتال لمنع دخول أعضائهم مصر ومنع دخول شرائطهم أيضًا، واتهم عبد الله النجار، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر، برنامج "اخترنا لك" و"الديش"، الذي كان بدعة جديدة وقتها، بأنهما السبب في ما حدث.

يذكر أن الشرطة جعلت عبد الله النجار يناظر الشباب المقبوض عليهم داخل السجن وقتها. عبد الله النجار مستمر معنا حتى الآن وهو صاحب تصريح أن من لم يتوجه للانتخابات البرلمانية عام 2015 آثم والحكم عليه كالحكم على تارك الصلاة.

بينما اتهم مصدر للداخلية الإنترنت؛ وربما تكون هذه أول حالة اتهام تُوَجَّه للإنترنت في مصر. وكان من بين الأحراز في القضية شريط أدعية إسلامية باللغة البوسنية.

أما وائل الإبراشي فكان زعلان من أن أمن الدولة لم تخترق التنظيم جيدا، وتُحَدِّد "عبدة الشيطان" فقط وتقبض عليهم، ولكن قبضت على الجميع، لكن الحق يقال إنه اتهم الداخلية بمغازلة المتطرفين.

حملة رجعية

أما جريدة الأهرام التي اُصطلح دائما على تسميتها بالجريدة "الغرّاء"، فهي التي أفرزت لنا أحمد موسى، حقيقة لم أستطع التأكد من مؤهله الدراسي وماضيه قبل عام 1996، لكن المعروف والمؤكد أنه كان محررًا بصفحة الحوادث بجريدة الأهرام ومندوبًا لها في الداخلية ثم رُقِّي لرئيس القسم ثم لمنصب نائب رئيس التحرير.


اقرأ أيضًا: أسطورة عَبَدَة الشيطان: لماذا أكتب الآن؟


اشترك أحمد موسى مع عبد السلام عوض في ملف احتل كامل الصفحة الثالثة، وهي أهم صفحات جريدة الاهرام، وكان عنوانها "شباب القدر السيء"، وأضيف إلى العناوين الداخلية البهارات مثل "الإنترنت والديش من وسائل الترويج لعبادة الشيطان"، "طقوس القداس الاسود"، "تقاليع شيطانية"، "ضربة أمن الدولة المباغتة"، طبعا كل هذا يلزمه مجموعة صور للأحراز التي كانت عبارة عن ألبومات لفريق ميتاليكا Metallica وجيم موريسون Jim Morrison، وأعداد من مجلة ميتال هامر Metal Hammer.

لكن المضحك هو وضع صورة لكاب فريق الرايدرز، من ضمن الأحراز ومكتوب تحت الصورة طاقية تحمل شعار الجماعة! وصورة لاحد مطربي موسيقى الريف الامريكي وكُتِب تحتها أحد مطربي الجماعة! ورغم أن أحمد موسى لم يكن اسمًا معروفًا وقتها إلا أنه حصل على الصفحة الثالثة بالكامل.

الصفحة الثالثة بالأهرام - من أرشيف وائل عباس 

حتى إبراهيم نافع، الراجل "الكُبّارة" الذي لم نعتد منه إلا أن يمدح مبارك في هدوء، والذي قُدِّرت ثروته بمليار ونصف بحسب جريدة اليوم السابع، خرج عن صمته، وكتب مقالًا على صفحة كاملة بتاريخ 31 يناير/كانون الثاني 1997 بعنوان "شبابنا وخزعبلات عبدة الشيطان".

أما الكاتب الرجعي فهمي هويدي فقد انتهز الفرصة ليزيط على حرية الفكر وحرية المعتقد وكرّس كل مقالاته في تلك الفترة للهجوم على دعاة حرية الإبداع، ففي مقال بتاريخ 28 يناير 1997 بعنوان "عن الديانة الإبليسية" استخدم مصطلحات مثل "الأبالسة على الانترنت"، "الإلحاد شرط ضروري"، "هتك المقدس والمطلق".

وفي مقال بتاريخ 4 فبراير 1997 بعنوان "للكل ندق الاجراس!" حرّض على قمع حرية الفكر والابداع بشكل واضح وطالب بما يسمى "الأمن الاجتماعي" المماثل للأمن السياسي! وحذر من وسائل الاتصالات الحديثة كوسيلة للاختراق والتغيير، يعني الكلام ده مش جديد أهه ده من زمان! وقال أيضًا إن "الديش" هو سلاح الغرب ضد الإسلام.

مقال "لمن ندق الأجراس" لفهمي هويدي - من أرشيف وائل عباس

وزاط بجانب فهمي هويدي الدكتور مصطفى محمود أيضًا، فكتب مقالًا بتاريخ 3 فبراير 1997 بعنوان "الإسلام والأديان الأخرى"، ليستعرض علينا معلوماته الدينية ومعلوماته عن عبادة الشيطان وعلاقتها بإسرائيل.

وزاط رسام الكاريكاتير ماهر داود، واحد من أقل من شهدتهم جريدة الأهرام موهبة، والذي حصل على المربع الخاص بصلاح جاهين في غفلة من الزمن، فرسم كاريكاتير يجري فيه إرهابي وراء شاب قائلا: "بلوتي سببها قلة الفلوس وبلوتك سببها كثرتها"، وكاريكاتير آخر لشاب يقف أمام ضابط شرطة قائلا: "مالقيتش حد يربيني"، وإرهابي يتحدث لشاب في السجن قائلا: "انت ما قدمتش جديد احنا بنعبد الشيطان من زمان".

مقال مصطفى محمود - من أرشيف وائل عباس

أما عبد الوهاب مطاوع فقد زاط عن طريق بريد الاهرام بنشر رسائل من المواطنين الشرفاء وقتها، نعم فالمواطنين الشرفاء ليسوا ظاهرة جديدة، فنشر بتاريخ 29 يناير 1997 رسالة من يسري عبد المحسن، طبيب نفسي وأستاذ جامعي، بعنوان "رأس الأفعى"، تكلم فيه عن القوى الخارجة والضالة التي تستهدف عقول شبابنا، وطالب بالبحث عن رأس الأفعى وقطعه بالسيف لأن ليس بعد الردة شيء! وبعنوان "يا ألطاف الله!" نشر رسالة من مدرس تاريخ اسمه محمود عبد الحميد من بنها، يتحدث عن بلد الازهر والألف مئذنة والكليشيهات المعروفة وينهي الرسالة بـ"وقانا الله شر كل فتنة وكل بلاء".

أما سعيد جودة السحار صاحب دار مصر للطباعة التي طالما أثرَت السوق بالكتب المليئة بالخرافات والتاريخ المغلوط والترجمات المحرفة، فقد أرسل هو أيضا لبريد الاهرام بتاريخ 28 يناير 1997، بعنوان "أولياء الشيطان!" قائلا: "ما هذه الهجمة الشرسة للفئة الباغية (عبدة الشيطان) على الدين الإسلامي، قاتلهم الله!" وطالب الدولة أن تستأصلهم ولا تشفق عليهم أو ترحمهم، كما طالب بزيادة الجرعة الدينية في مناهج الدراسة.

كاريكاتير ماهر داود - من أرشيف وائل عباس

جريدة أخبار الحوادث عدد 6 فبراير 1997 كانت عناوين صفحتها الرئيسية كالتالي: "الملف السري لعبدة الشيطان"، "15 ألف شريط كاسيت تسيء للأديان"، مع صورة لإنترفيو مع سوسن بدر وابنتها المقبوض عليها ياسمين، وكان عمرها وقتها 14 عاما فقط، بعنوان "ابنتي حضرت التحقيق صائمة"، وخصصت الجريدة ملفًا من 9 صفحات للموضوع، ونفت سوسن بدر علاقة ابنتها بالموضوع بل وجوّدت وأضافت أنها أبلغت مدير المدرسة أن ابنتها تشتكي من وجود عبدة الشيطان بالمدرسة!

صحيفة الرياض السعودية دخلت على الخط ونشرت صفحة كاملة بعنوان: "القاهرة تتصدى بكل حزم لظاهرة عبادة الشيطان"، وأبرزت الجريدة رأي المفتي وما دار في مجلس الشورى حول القضية مع اضافة شوية حبشتكانات عن إسرائيل والمخدرات والجنس، ومطالبة مجلس الشورى بتطبيق الحد على "المرتدين" كما وصفتهم!

المفتي يطالب بتشديد العقوبة - من أرشيف وائل عباس

الصحف المستقلة

طب دي كانت مجلات وصحف الحكومة، تعالوا نشوف الصحافة الحزبية والمستقلة، ونبدأ بجريدة الوفد، جريدة حزب الوفد الليبرالي المعارض، يا ترى موقف الليبراليين كان إيه؟ استخدمت الوفد في أعداد 28 و29 و30 يناير 1997 عناوين مثل "الشيطان يعظ على شاشات الكمبيوتر"، "كيف تحولت الإنترنت لجهاز دعاية لعبادة الشيطان".

نفتح عدد الوفد يوم الخميس 30 يناير 1997، وفي الصفحة الأولى أول القصيدة كفر، "إخلاء سبيل لاعب السلة المتهم في قضية عبدة الشيطان، الشهود يؤكدون قيام أعضاء الجماعة بالشذوذ وتعاطي المخدرات"، وتحت هذا الخبر خبر آخر بعنوان "المفتي يطالب بتشديد عقوبة إزدراء الأديان"، كما نشرت جريدة الوفد أسماء المتهمين ثلاثية مع صورهم حتى الفتيات منهم في انتهاك صريح لحقوقهم، مع عنوان مثير عن أن المتهمين صلوا الظهر جماعة! ووضعوا قوسين حول كلمة "جماعة"، كما أبرزت تعليقات البابا شنودة ومطالبته بأشد العقاب لمن انحدروا إلى الدرك السحيق، ومقابلة كاملة معه بالداخل يتحدث فيها عن الشيطان، كتّر خير الليبرالية والله.

كما خصصت الجريدة في نفس العدد صفحتين كاملتين من إعداد محمد مصطفى شردي، الذي صار يقدم برنامج القاهرة والناس مع عمرو أديب، بعناوين وصور مثيرة مثل "فئة ضالة وخارجة عن الدين"، "أبناء ذوات وجدوا كل شيء متاحًا"، "العقوبة أشغال شاقة مؤبدة"، "شوربة القطط"، "ممارسة الشذوذ والسادية"، ونشروا نفس الصور المضحكة للأحراز منهم كاب لمغني الراب الأمريكي دكتور دري Dr. Dre البعيد كل البعد عن الروك والهيفي ميتال، وصورة لكتاب "سحر هاروت وماروت" مكتوب تحتها: كتب قام "الفَسَقَة" بتعريبها!

لاعب كرة سلة متهم.. من أرشيف وائل عباس 

لم تختلف الصحف المستقلة إلا قليلًا، جريدة الدستور برئاسة تحرير إبراهيم عيسى في عددها الصادر 29 يناير 1997 احتوى عنوانها الرئيسي على الجملة التالية: "ما الذي يفيد مصر من إعدام مجموعة من أطفال الأغنياء".

أما عنوان مقال ابراهيم عيسى شخصيًا فقد كان "ادعوا لعبدة الشيطان بالهداية"، يتخلل المقال عبارات مثل تقيأنا وأثيرت عصابنا وهذه الفئة الشاذة وانهيار اخلاقي واختبار الله لنا، ثم يقترح ابراهيم عيسى حلا للمشكلة بـ "جوزين اقلام على وشهم!".

أما ياسر أيوب في الصفحة الخامسة فقد كتب لا فض فوه: "لا داعي أن ننسى هموم 25 مليون شاب لننشغل بسقطات 24 شاب من مصر الجديدة! الشباب المقبوض عليهم أرادوا تقليد الغرب وممارسة الحرية!" ممارسة الحرية؟ إخص عليهم ليه كده مالهمش حق! أما إيهاب الزلاقي فقد كتب تقريرا بعنوان: "بما أنك مسلم وموحد بالله تعالى، ما رأيك بأن تتعرف على أفكار عبدة الشيطان على الإنترنت".

متحدثَا عن أن هذا النوع من العبادة أمر جديد في مجتمعنا وبالتالي يشرح أصوله في الولايات المتحدة.

مقال إبراهيم عيسى في الدستور - من أرشيف وائل عباس

المجلة الأكثر تسامحًا كانت مجلة صباح الخير، التي كان يرأس تحريرها في هذا الوقت رؤوف توفيق، في أرشيفي الشخصي عدد بتاريخ 27 فبراير 1997، لا أعلم هل زاطت المجلة في الأعداد السابقة أم لا، وهل شاركت في التحريض أم لا.

لكن هذا العدد سخر من تدخل أمن الدولة في الموسيقى في كاريكاتير الغلاف: "مباحث أمن الدولة لغت الديسكو علشان الموسيقى حرام ورقصة مكارينا خلوها مكارينا بالبشاميل"، ونشرت تقريرًا من 7 صفحات بعنوان "لا تمزقوا الشرائط ولا تحطموا آلاتكم الموسيقية!"، وفنّدوا عددًا من الصور التي نشرها أحمد موسى في تقريره بالأهرام، وأجروا مقابلة مع عازف الجاز يحيى خليل قال فيها إن مطربي الروك هم الذين أقاموا حفلات لجمع التبرعات لإنقاذ افريقيا من المجاعات وإن الاعلام المصري "يشارك في صنع تخلف وجدان وفكر الوطن".

وأجروا مقابلات مع يحيى غنام وفتحي سلامة أيضًا، كذلك نشرت مجلة الشباب عدد فبراير 1997 تحقيقًا محايدًا الى حد ما كتبته عبير السعدي بعنوان "هل يعبدون حقًا موسيقى الشيطان؟"

كاريكاتير بمجلة صباح الخير