أحد أوراق الحزب الحزب الوطني بعد حرق المقر في ثورة يناير. صورة برخصة المشاع الإبداعي: حسام الحملاوي- فليكر

صفوت الشريف: رحلة "موافي" لا تنتهي سوى بالموت

في خريف 1978 قرر الرئيس الراحل محمد أنور السادات القفز من حزب مصر وتأسيس حزب سياسي جديد سماه "الوطني الديمقراطي"، جمع فيه عددًا من رجاله الثقات ومن بينهم كان صفوت الشريف، الذي استطاع أن يكون واحدًا من وجوه هذا الحزب، رغم تورّطه قبلها بسنوات قليلة في فضيحة "انحراف المخابرات العامة" الكفيلة بتدمير مستقبل أي سياسيِّ، إلا أن "موافي" نجح في شق طريقه والاستمرار في كنف السلطة إلى أن أزاحته ثورة 25 يناير عن المشهد وألقت به إلى السجن.

لكن رغم هذه الإزاحة وتقديمه للمحاكمة في قضايا قتل وفساد، استطاع الشريف مرّة أخرى التغلب على الأزمات المتعاقبة والتمتع بلحظاته الأخيرًا حرًا رغم الإدانة، حتى توفي في ساعة متأخرة من مساء أمس الأربعاء عن عمر 87 عامًا، تاركًا خلفه أحاديث عن ملفات حساسة ووقائع شهدتها ثلاث أنظمة كان واحدًا من أبرز رجالها.

موافي: مسؤول الكونترول

في 19 ديسمبر/ كانون الأول 1933، ولد محمد صفوت الشريف في محافظة الغربية، وحصل على بكالوريوس العلوم العسكرية في الخمسينيات، حين تحول النظام المصري من المَلكية إلى الجمهورية العسكرية واستقر الحكم في يد "الضباط الأحرار".

وفي العقد التالي، الستينيات، انضم الشريف للسلطة ذات السطوة الأكبر في العهد الناصري وهي المخابرات المصرية، حين كانت تحت إدارة الاسم الأبرز في تاريخ الجهاز، صلاح نصر، الذي أطيح به هو والشريف في قضية فساد واحدة، والتي تم توثيقها تحت اسم "قضية انحراف المخابرات".

على مدار سنوات حكم مبارك، لم يكن الحديث عن تلك القضية (انحراف المخابرات)، يدور إلاّ سرًا وفي الغرف المغلقة كنميمة على وزير الإعلام صاحب السلطة والنفوذ، والذي كان البعض يتحدث عنه باسمه الحركي "موافي".

تحت هذا الاسم، كان صفوت يتواصل مع رؤسائه من قيادات الجهاز ويؤدي دوره في العمليات التي صارت معروفة باسم السيطرة "الكنترول"، من خلال تجنيد سيدات، بينهن فنانات، للعمل مع المخابرات، وكانت مهمته هي إعداد المكان المناسب وتجهيزه بمعدات تصوير لتنفيذ عمليات "الكنترول" فيه، وترشيح اللاتي‮ ‬يصلحن لهذا العمل.

رحل السادات وبقي الشريف يمارس أدواره الحكومية والسياسية ويتدرج في المناصب خلال حكم مبارك حتى صار واحدًا من قيادات الكيان السياسي الأبرز آنذاك، الحزب الوطني الديمقراطي.

في سبيل تجنيد "المندوبات"، كان الشريف يبتز سيدات بتصويرهن في أوضاع جنسية، كوسيلة للضغط عليهن، حسبما كشفت أوراق تحقيقات أفرج عنها بعد الإطاحة بمبارك، ذكر فيها الشريف أنه "صوّر بنفسه سيدات شهيرات مثل سعاد حسني واعتماد خورشيد وبرلنتي عبد الحميد بهدف تجنيدهن".

وبسبب دوره في هذه القضية، تم التحقيق معه، وكانت نهاية مشواره مع المخابرات، وهو بعد في الخامسة والثلاثين من عُمره. ولم يتعدى العقاب هذا القرار، على الرغم مما تردد بعدها بسنوات عديدة من اتهامات ضده بالضلوع في مقتل سعاد حسني، وهو الأمر الذي انتهى عام 2013 بحفظ القضية التي كان متهم فيها هو ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي.

عودة للملاعب

غيّبت تلك القضية الشهيرة الخاصة بالمخابرات صفوت الشريف عن المشهد السياسي والأمني لأعوام، لكنه تمكّن من العودة للملاعب السياسية بعد أعوام من انتهاء الحقبة الناصرية، كواحد من رجال الرئيس أنور السادات، حين ساهم معه في تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي عام 1978.

وفي ذلك العهد، لم يكتف الشريف بالعمل السياسي، بل نجح أيضًا في نيل منصب حكومي مهم، وصار مسؤولًا عن الهيئة العامة للاستعلامات بعد تدرجه في المناصب داخلها.

رحل السادات وبقي الشريف يمارس أدواره الحكومية والسياسية ويتدرج في المناصب خلال حكم مبارك حتى صار واحدًا من قيادات الكيان السياسي الأبرز آنذاك، الحزب الوطني الديمقراطي، الذي تسلّم مبارك راية رئاسته من السادات، إذ بقي الشريف أمينًا عامًا له لتسع سنوات من 2002 حتى 2011.

بين الإعلام والشورى

وكما جرت العادة في تلك الحقبة من إسناد المناصب الوزارية والسياسية المهمة إلى رجال مبارك وقيادات حزبه، لم يعرف المصريون لأكثر من عقدين، بدءًا من 1982 وحتى 2004، وزيرًا للإعلام إلاّ صفوت الشريف، وخلال تلك الفترة دخلت مصر نادي الأقمار الصناعية والفضائيات، كما أسست مدينة الإنتاج الإعلامي.

قد يرى البعض في تلك الخطوات إنجازات تُحسب للشريف، لكنه أيضًا خلال تلك الأعوام نجح في استخدام الإعلام كأداة مهمة في تدجين الرأي العام والسيطرة على الوعي الشعبي، من خلال سياسة إعلامية لا تنقل إلاّ الصوت الواحد ولخدمة أهداف يريدها النظام سواء على المستوى المحلي أو الدولي، استنادًا إلى خبراته السابقة كرجل أمن.

فصفوت الشريف هو مَن شهدت له أسماء كانت مقرّبة منه ومن نظام مبارك، ومنهم الإعلامي مفيد فوزي الذي وصفه بأنه "مِعلم محترف، لا يوجد أحد يُمسك بلجام الإعلام مثله"، أو باعتراف من رئيس تحرير الجمهورية الأسبق، محمد علي إبراهيم، أن الشريف كان "يستخدم الإعلام لخدمة أغراض الدولة السياسية، فكانت يُصدر تعليمات (لرؤوساء تحرير الصحف) بالهجوم على دولة معينة أو كتابة مقالات في اتجاه معين، وفي فترات محددة".


اقرأ أيضًا.. نهاية عصر الاستقرار مقابل الغذاء: بروفايل لمحمد حسني السيد مبارك


وحين انتهت رحلة الشريف عن منصبه الوزاري في الأعوام الأولى لهذه الألفية، لم تنتهِ رحلته مع السياسة وقد صار واحدًا من أفراد "الحرس القديم" في الحزب الوطني، حين كانت الأجواء في الكواليس مشحونة بين رجال مبارك الأب ورجال نادي "جيل المستقبل" الذين وضعوا رهاناتهم جميعها على الرئيس الابن.

في تلك الفترة ظل للشريف دوره، إذ شغل منصب رئيس مجلس الشورى حتى عام الثورة بجانب منصب أمين عام الحزب الوطني، حين ضحى به مبارك في محاولة لتهدئة الثوار، إذ أعلن الحزب في 5 فبراير/ شباط 2011 استقالة أعضاء هيئة مكتبه وهم صفوت الشريف، وزكريا عزمي، وجمال مبارك، ومفيد شهاب، وعلي الدين هلال.


آنذاك، عيّن مبارك حسام بدراوي أمينًا عامًا للحزب وأمينًا للسياسات، خلفًا للشريف ومبارك الابن. ليعلّق الشريف على هذه الخطوة بقوله إنها أتت "من أجل منح الفرصة لجيل جديد"، لكن غير المُعلن من أسباب لم يكن فقط محاولة مبارك تجنّب غضب الثوّار من مشروع التوريث بتقديم كباش فداء عنه، في محاولة لإقناعهم بأن تغييرات تحدث في المشهد السياسي، بل أيضًا لسبب آخر هو احتدام الصراع الداخلي بين جمال مبارك ورجاله مع رجال أبيه، خاصة بعد محاولات مبارك الابن إزاحة "الحرس القديم" عن المشهد لصالح فريقه.

سنوات الحساب

لم يستغرق الأمر وقتًا حتى لحق بدراوي ومبارك وزملائهم بالشريف، وأطيح بهم من مناصبهم على يد ثوار يناير، وبدأت مرحلة حسابهم أمام القضاء.

في تلك الأيام، وبعد أن أودع الشريف ليمان طُره، كشفت الثورة عمّا اقترفه من مخالفات للقانون، تنوعّت بين الفساد السياسي والمالي في قضيتين الأولى هي "التخطيط لموقعة الجمل"، التي وُجه له في أبريل/ نيسان 2011 الاتهام رسميًا بالتخطيط لها، بالتزامن مع بدء التحقيقات معه في القضية الثانية وهي "الكسب غير المشروع".

في تلك الفترة ظل للشريف دوره، إذ شغل منصب رئيس مجلس الشورى حتى عام الثورة، حين ضحى به مبارك في محاولة لتهدئة الثوار.

وفي عهد الإخوان المسلمين، انتهت قضية "موقعة الجمل" يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2012 إلى تبرئة الشريف وزملائه من قيادات الحزب من تُهمة التخطيط لها، رغم ما ورد في تحقيقات النيابة من تفاصيل دقيقة عمّا جرى في ذلك اليوم، حين اقتحم العشرات وهم ممتطين الجمال ميدان التحرير من جهة ميدان عبد المنعم رياض لمهاجمة الثوار الذين كانوا منشغلين بمنع اقتحام آخر للميدان من جانب أنصار مبارك القادمين من ميدان مصطفى محمود.

جاءت التبرئة على الرغم مما ورد في تحقيقات النيابة التي أكدت أنه هو تحديدًا، صفوت الشريف "طالب كلًا من عبد الناصر الجابري البرلماني السابق ومساعده يوسف خطاب عضو الشورى المنحل، بتحريض أعداد كبيرة من أبناء دائرة الهرم على فض اعتصام ميدان التحرير بالقوة"، وهو ما اتفق معه تصريحات اعضاء سابقين في الحزب، وما ورد في تقرير لجنة تقصي الحقائق التي تم تشكيلها بعد الثورة للتحقيق في الأمر.

وفي حيثيات البراءة، ذكرت المحكمة أن "أوراق القضية خلت من أى دليل يقيني وجازم على ما نسب للمتهمين". وحين طعنت النيابة على هذا الحكم، رفضت المحكمة طعنها، وكان السبب هو أن "النيابة أودعت أسباب الطعن بعد الميعاد".

لكن القضية الأخرى الخاصة بفساده المالي واستغلال نفوذه السياسي في الترّبح، انتهت إلى الإدانة من محكمة النقض في سبتمبر/ أيلول 2020، فحُكم عليه بالسجن 3 سنوات وتغريمه 99 مليون جنيه، على الرغم من تصريحات الشريف بعد الثورة بأنه "لا يملك أي أموال خارج مصر، وكل ما يمتلكه مدّون في إقرارات الذمة المالية الخاصة به"، لتكشف التحقيقات كذب ما قيل، ويتضح أن الشريف يمتلك الكثير بصورة غير مشروعة، كان أبسطها ما تلقّاه من "هدايا" من مؤسستي الأخبار والأهرام، بلغت قيمتها 3 ملايين جنيه، سددها خلال محاكمته.

وفقًا لأوراق هذه القضية، تمكّن الشريف على مدار عقود من تحقيق مكاسب غير مشروعه لنفسه وأفراد أسرته، تمثّلت في "304 ملايين و674 ألفا و552 جنيهًا، وعقارات وشقق سكنية وأراضي فضاء وأراض زراعية وفيلات في عدّة مُدن".

وعلى الرغم من حُكم السجن، لم يقض الشريف خلف الأسوار إلاّ شهرين و10 أيام، إذ احتسبت السلطات فترة حبسه الاحتياطي على ذمة قضايا قبل الحكم، وتم خصمها من فترة العقوبة النهائية.

وما أن أُطلق سراحه، حتى غاب الشريف عن ملعب السياسة والسلطة بعد حوالي ستة عقود من العمل بهما، فكان آخر ظهور له في عزاء رئيسه وصديقه مبارك، ولم تظهر أخباره على الساحة، إلا بعد أنباء عن إصابته بكورونا، ثم إعلان وفاته بسرطان الدم "اللوكيميا" الذي عانى منه لسنوات في صمت تام انتهى برحيله.