الممرضة آية علي محمد في مستشفى الحسينية بمحافظة الشرقية. الكولاج: من فيديو متداول للواقعة- فيسبوك

إقبال كثيف وديون حكومية بملياري جنيه للشركات: ما وراء أزمة الأكسجين

قال مصدر في اتحاد الصناعات إن أزمة الأكسجين الطبي الأخيرة في المستشفيات تعود إلى الإقبال الكثيف على الشراء بالإضافة إلى تعثر الشركات المنتجة بسبب تأخر الحكومة في سداد مستحقات متأخرة تقدر بملياري جنيه مقابل توريد عدد من المستلزمات الطبية، موضحًا أن تحركات حكومية جرت خلال الأسابيع الماضية، انتهت إلى توريد نصف هذه المتأخرات على أن يتم تسديد الباقي مع نهاية السنة المالية.

وتفاقمت أزمة الأكسجين الطبي في المستشفيات خلال الأسابيع الماضية وبلغت ذروتها مطلع هذا العام عندما توفيت ست حالات مصابة بكورونا في مستشفيي زفتى العام بمحافظة الغربية والحسينية بمحافظة الشرقية ما استدعى فتح النيابة العامة تحقيقين في الحادثين.

وأوضح المصدر الذي تحدث إلى المنصة، مفضلًا عدم ذكر اسمه، أن أحد الأسباب الرئيسية للأزمة هو التعثر المادي للشركات المُنتجة للغازات الطبية بسبب عدم وفاء الحكومة بسداد المستحقات المادية للشركات والمصانع، مع تزايد الإقبال بشكل "غير مُحتمل ويفوق ما حدث في الموجة الأولى للجائحة".

وبحسب المصدر "هناك 53 شركة تعمل في صناعة الأجهزة ومنها أجهزة تتعلق بمنظومة الأكسجين الطبي والمستلزمات الطبية الأخرى، لها مديونيات لدى المستشفيات الحكومية والجامعية تقدر بملياري جنيه، مقابل مستلزمات طبية جرى توريدها طوال الأشهر الماضية بناء على طلب الهيئة المصرية للشراء الموحد، وهي الجهة التي تتعامل مع شركات توريد المستلزمات الطبية".

وبينما توقفت بعض الشركات عن التوريد حتى تحصل على مستحقاتها فإن شركات أخرى "قررت تكمل توريد إحساسًا منها بصعوبة الوضع، وإنه لازم نكمل ضخ عشان مايحصلش تأثير، وجزء ثالث بيكمل مضطر وخايف من إنه يوقف توريد ويتحط في القايمة السوداء ويتوقف معاه التعامل في المستقبل".

يتابع المصدر "قبل نحو ثلاثة أسابيع اطلعت وزيرة التجارة والصناعة نيفين جامع على مذكرة بشأن الأزمة، وخاطبت وزير المالية محمد معيط الذي أرسل بدوره منشورًا، اطّلعت المنصة عليه، وجّه فيه المستشفيات الحكومية والجامعية بسداد نصف المديونية بشكل فوري، على أن يتم سداد النصف الأخر من فائض موازنة وزارة المالية في نهاية السنة المالية في يونيو المقبل". يضيف المصدر "ما زلنا ننتظر بدء التسديد حتى الآن".

انفراجة بعد دفع مليار جنيه

ومع اتخاذ هذه الإجراءات، أعلنت وزيرة الصحة والسكان هالة زايد في مؤتمر صحفي يوم الاثنين الماضي توفير كل احتياجات الأكسجين في المستشفيات، وأن الوضع بات مستقرًا منذ ثلاثة أيام من حيث توافر الغاز الطبي لمصابي كورونا، وأن الاجتماعات مستمرة بشكل لحظي مع 363 مستشفى والقطاعات والهيئات التابعة لها، لحل كل المشاكل المتعلقة بتوفير الاحتياجات اللازمة من الأكسجين.

زايد التي كانت تؤكد منذ 3 يناير/ كانون الثاني الجاري في أعقاب حادث مستشفى الحسينية أن هناك مخزونًا وفيرًا من الأكسجين الطبي بجميع المستشفيات بمصر، عادت في 11 يناير لتعلن أن "هناك منظومة حالية تتابع من خلالها كل المستشفيات بشأن مخزون الأكسجين لديها وموقف إصابات كورونا بها، يتم تحديثه كل ست ساعات، وتظهر فيه بيانات كل المستشفيات وتوضيح المتوفر من أسطوانات الأكسجين وعدد الأسرّة المشغولة والخالية".

تحققت المنصة من تصريحات الوزيرة عبر الاتصال بالمدير التنفيذي لجمعية منتجي الغازات الصناعية والطبية مختار عبد الرحمن، الذي أوضح أن هناك مخزونًا من الأكسجين ولكن "أزمة ما" تُظهِر وجود نقص.

عبد الرحمن شرح في تصريحات هاتفية وجهة نظره بالقول "عدد الإصابات في الموجة الثانية أكبر بكثير من الموجة الأولى، ولذلك فهناك إقبال كبير على شراء الأكسجين الطبي، سواء من المستشفيات أو حتى سعى البعض لشراء الأسطوانات المعدنية للحالات التى تعالج في المنازل".

وتابع "عندنا فيه مشكلة، فيه حالات مبتروحش تسجّل نفسها بشكل رسمي كمصابين فيروس كورونا، وبينزلوا يجيبوا اسطوانات أكسجين ويتعالجوا في البيت. هنا المشكلة في وجود أكثر من طرف بيسحب من السوق"، نافيًا أن يكون هناك تقصير من قبل الشركات في عملية الإنتاج، متابعا "فيه مخزون بس كتر الإصابات بيخلى كأن مفيش إنتاج".

بحسب عبد الرحمن، فإن هناك نحو 40 شركة تعمل في مجال الغاز الطبي والصناعي، ونوعين من الأكسجين الطبي يستخدمان في المستشفيات؛ الأكسجين الطبي المعبأ في الأسطوانات المعدنية والغاز الطبي السائل الذي تُغذَّى به تانكات غرف الرعاية المُركزة من خلال نظام تغذية مركزي داخل غرف الرعاية، موضحًا أن أي شركة تعمل في مجال إنتاج الغازات الطبية تحصل على موافقة من هيئة التنمية الصناعية وتقوم بشراء المواصفة القياسية من هيئة المواصفات والجودة بوزارة التجارة والصناعة.

في 20 ديسمبر الماضي، اجتمعت وزيرة الصحة مع كمال بشاي رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات بشاي للصلب، لمناقشة التعاون في تلبية احتياجات المستشفيات من الأكسجين الطبي، لتعلن الوزيرة في 12 يناير إن مصنع بشاى يُنتج نحو مئتي طن يوميًا من الأكسجين الطبي وهو ما يمثل 40% من الاحتياج اليومي فضلاً عن المخزون.

وفقا لما قالته الوزيرة، فمستشفيات مصر تحتاج 600 طن يوميًا من الأكسجين الطبي.

ارتفاع الأسعار واختفاء "الأنابيب"

يعتقد عبد الرحمن أن هذه الأرقام التي أعلنتها الوزيرة تتماشى مع الإقبال الكبير على الأكسجين الطبي، ولكنه استدرك قائلًا إن المشكلة التي ظهرت مؤخرًا أدت إلى لجوء الكثير من الأفراد للحصول على الأكسجين السائل من المصانع بسبب نقص المتاح من الأسطوانات في الأسواق، موضحًا أن سعر اللتر السائل يتراوح من 35 إلى 50 جنيهًا، فيما تبلغ تكلفة تعبئة الاسطوانة الفارغة بالاكسجين المضغوط بين 50 إلى 150 جنيهًا بسبب تزايد الإقبال "دا أصلًا لو لقيت الأنابيب المعدن دي لأنه بقالها أكتر من أسبوعين نادرة بسبب الضغط الكبير عليها".

وكشف المدير التنفيذي لجمعية منتجي الغازات الصناعية والطبية أن المستشفيات تتجه الآن إلى تخزين أكبر قدر ممكن الاحتياطي الاستراتيجي من الأكسيجن الطبي "غالبية المستشفيات بتعمل مخزون من الغاز السايل عشان التغذية المركزية لخزان الأكسجين في غرف الرعاية، كحالات اتعاملت معاها ممكن التخزين يوصل لـ 400 أسطوانة عشان أي طوارئ".

إبراهيم قريطم، المدير التنفيذي للشركة المصرية الخليجية للغازات الصناعية وهي إحدى الشركات العاملة في هذا المجال وتمتلك ثلاثة مصانع في السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، بالإضافة إلى مصنع رابع في أسيوط وخامس في العاشر من رمضان، قال إن هناك ضغطًا كبيرا في الوقت الحالي فيما يتعلق بالطلبيات التى تصل للشركة سواء لمحلات المستلزمات أو حتى تعاقدات مع المستشفيات الجامعية.

هذا الضغط، وفقًا لما أوضحه قريطم للمنصة، أدى إلى ارتفاع جنوني في سعر الأسطوانة المعدنية المعروفة باللفظ الشعبي الدارج "الأنبوبة" في منافذ البيع، حيث ارتفع سعرها من 1500 جنيه في الأوقات العادية، إلى 3500 جنيه.

وأوضح أن شركته تورد الأكسجين الطبي لمستشفيات التأمين الصحي بكفر الشيخ والمستشفى الجامعي بالمحافظة ذاتها، بالإضافة للمستشفيات الجامعية لجامعة الإسكندرية "التعاقد اللى بينى وبين المستشفيات حاليا هو إنى أورد غاز طبي سائل، أسهل في النقل وأسهل للمستشفيات في التخزين"، شارحا الفارق بين الأكسجين السائل والأخر المعبأ قائلًا إن "الأسطوانة فيها فيها 7 آلاف لتر غاز طبي، علشان تنقلهم في شكل أسطوانات بيبقى صعب جدًا، فحاليًا الغاز السائل أسهل بكتير، لأن 8 لتر غاز سائل يساوي سعة اسطوانة"، مشيرًا إلى المصانع الثلاثة للشركة تنتج يوميًا 80 لترًا من الغاز السائل.