عمال مصنع الدلتا للأسمدة في طلخا يرفعون الأكفان أثناء اعتصامهم - الصورة بإذن خاص للمنصة

الأكفان أفضل من التشريد: اعتصام عمال "سماد طلخا" يبدأ شهره الثاني

بعد مرور أكثر من شهر على اعتصامه مع زملائه من عمال مصنع الدلتا للأسمدة في مدينة طلخا بمحافظة الدقهلية احتجاجًا على قرار تصفية المصنع ونقله إلى السويس، يلتحف محمد موافي قطعة قماش بيضاء في إشارة إلى الكفن، لا يخشى البرد أو الجائحة قدر خوفه من التشريد.

يعمل موافي في الشركة منذ 11 عامًا شهد خلالها محاولات لإغلاق المصنع مرت جميعها بسلام إلى أن حلَّ ديسمبر/ كانون الثاني من العام الماضي، حيث "اكتشفنا إن فيه لجنة جاية من المحافظة ترفع مقاسات المصنع من غير ما حد يقولنا أي حاجة، والمصنع واقف من شهر 4 بسبب تلف في الفرن الرئيسي ووقتها قالوا إن المصنع هيتجدد ومن ساعتها محصلش أي تجديدات بس بنسمع من مصادر إنه هيتباع كأرض واحنا هنتشرد، طب ده يرضي مين"، حسبما قال للمنصة وهو يشرح أسباب اعتصام العمال الذي دخل اليوم الأحد يومه الثالث والثلاثين.

بعد حضور اللجنة لرفع قياسات المصنع كما أوضح موافي، لم يتحدث معهم أحد عن أسباب رفع القياسات أو ما سيتم خلال الفترة المقبلة "محدش فهمنا إيه اللي هيحصل، ولا كأننا موجودين، علشان كده قررنا نعتصم في مقر المصنع لحد ما نشوف إيه اللي هيحصل".

ويؤكد موافي أن اعتصامهم الذي رفعوا خلاله الأكفان سلمي "جينا إحنا وأسرنا وأهالينا نطالب بحقوقنا، حرام بعد سنين تعبنا في المصنع فجأة نتشرد ونلاقي نفسنا في الشارع".

وبعد مرور أكثر من شهر على الاعتصام، أعلنت وزارة قطاع الاعمال العام في بيان إتاحة أراضي المصنع البالغة مساحتها 215 فدانا بالإضافة إلى 19 فدانا أرض فضاء، لإقامة مشروعات سكنية "سيكون جزء كبير منها سكنًا اجتماعيًا بديلًا للعشوائيات"، بعد أن تسبب التقادم الفني للمعدات في تجاوز بعض الانبعاثات الحدود المسموح بها بيئيًا، ما أثر على المجتمعات السكنية الملاصقة للمصنع والمقابلة له من ناحية المنصورة، والتي لم تكن موجودة عند إنشائه.

اعتصام عمال سماد طلخا - بإذن خاص للمنصة

شركة الدلتا للأسمدة والصناعات الكيماوية هي شركة مساهمة مصرية تختص بصناعة المواد الكيماوية، والمخصبات الكيماوية أو المشتقة منها أو اللازمة لصناعتها، وهي تطل على نهر النيل بمدينة طلخا بالدقهلية، ويعمل بها 2400 عامل وفقًا لمحمد جادو رئيس اللجنة النقابية بالمصنع.

جادو قال للمنصة إن العاملين بالمصنع يسكنون بالمدينة السكنية التابعة له والموجودة بنفس المكان "دي مش أول مرة يكون في محاولة للاستيلاء على المصنع، إحنا بقالنا تقريبا 20 سنة في المحاولات دي، أرض المصنع قريبة من النيل وده بيخليها طبعا مكان مهم إن يبقى استثمار أو يبقى شقق، وننسى حقوق العمال اللي فاتحين بيوت، علشان كده محاولات الاستيلاء على المصنع كانت بتتم كل شوية بححج إن المصنع بيخسر أو إنه ضار بالبيئة".

يرى جادو أن المصنع لم يخضع للتطوير منذ ما يقرب من 40 عاما "المصنع بيقدم الدعم للفلاح وبيبع له الأسمدة بتوفير 1200 جنيه المصنع اللي بيتحملهم"، موضحًا أنه رغم ذلك فالمصنع "فيه 5 شركات، لإنتاج سماد اليوريا والنترات وحامض النيتريك والميثانول ومركز تطوير الأسمدة وصناعة السماد السائل، يعني مع كل اللي بيوفره المصنع على الفلاح لكن هو كمان بيكسب بعكس الكلام اللي بيتقال إنه هيتباع علشان بيخسر"، ولو على إنه ضار فالمصنع معاه موافقة بيئية للعمل لحد 2022".

ويبيع المصنع طن الأسمنت للفلاحين مقابل 3290 جنيهًا فيما يبلغ سعر تكلفته 4500 جنيهًا.

ويحذر جادو من أن بيع المصنع قد يشجع الممارسات الاحتكارية لتجار الأسمدة ما قد يجعل "الفلاح يشتري طن الأسمدة بفلوس ممكن توصل لـ10 آلاف جنيه، وطبعا هيكون معاه زيادة لأسعار الخضروات والفاكهة".

أما محمد أبو شهبة الذي يعمل في المصنع منذ نحو 15 عاما فيتساءل مفندًا الأسباب المعلنة للتصفية والمتمثلة في الخسائر وتلويث البيئة قائلًا "ليه دلوقتي افتكروا إن المصنع ضار، وهو بقاله سنين شغال؟ وليه دلوقتي برضه افتكروا إنه بيخسر؟ كل دي حجج علشان ياخدوا الأرض وتبقى شقق تتباع بفلوس وطبعا ولا حد فكر في حقوق العمال ولا مصيرهم".

الحديث عن مصنع سماد طلخا تكرر أكثر من مرة في السابق إذ اعتصم عماله لعدة أسباب كان آخرها في 2018 عندما قرر مجلس الوزراء إغلاق شركة الدلتا للأسمدة والصناعات الكيماوية "سماد طلخا"، بعد الشكاوى المتكررة من المواطنين بانبعاث كثيف للنشادر وتعرضهم للاختناق، ومنح إدارة المصنع شهرين فقط لاتخاذ الإجراءات العاجلة لإصلاح صمامات وحدة حامض النيتريك، ولكن المنصة حصلت على قرار عمل المصنع وفقا للاشتراطات البيئية حتى عام 2022، بجانب خطة لتوفيق الأوضاع البيئية.

خطاب التوافق البيئي للشركة الذي يسمح باستمرار عملها حتى 2022

الأكفان تواجه محاولات التصفية

بيان وزارة قطاع الأعمال ذكر أن الجمعية العمومية لشركة الدلتا للأسمدة وافقت على نقل وحدات مصانع شركة الدلتا للأسمدة إلى موقع شركة النصر للأسمدة بالسويس، وفوضت رئيس الجمعية لتشكيل لجنة فنية لدراسة وتحديد ما يمكن نقله من وحدات صالحة للتشغيل تابعة لشركة الدلتا للأسمدة بطلخا إلى موقع شركة النصر للأسمدة بالسويس، ودراسة ما تحتاجه الشركة من إنشاءات ووحدات جديدة بموقعها بالسويس، على أن تنتهى اللجنة من أعمالها للعرض على مجلس إدارة الشركة القابضة لاتخاذ القرار المناسب.

وتعتزم الشركة تكليف أحد المكاتب الاستشارية المتخصصة أو أحد بنوك الاستثمار لإعداد دراسة جدوى بنكية للمشروع، وقررت عمل دراسة لأعداد العمالة المطلوب نقلها إلى السويس بالأعداد والتخصصات المطلوبة، ودراسة سبل تعويض العاملين الذين لن يقع عليهم الاختيار، مع اعتبار النقل اختياريًا.

قرارات الجمعية العمومية أتت كالصاعقة على العمال الذين حملوا أكفانهم للمطالبة بحقوقهم "هنروح فين، ولو أصلا هيودونا السويس هل ده عدل، إزاي وإحنا حياتنا في المنصورة، وعشنا عمرنا في المصنع، احنا كلنا شباب من 25 لـ 35 سنة، وفيه اللي شغال في المصنع من 15 سنة، ليه محدش فكر إنه يطور المصنع، ولا حتى ينقله لمكان من الأراضي الفاضية في المنصورة الجديدة، لو كان حد بيفكر في حقوقنا فعلا"، بحسب موافي الذي أكد استمرار الاعتصام حتى تحقيق المطالب رغم القبض على تسعة من زملائه المعتصمين.

وبينما لا يعرف موافي مصير العمال التسعة المقبوض عليهم من منازلهم، فقد أوضح المحامي الحقوقي وائل غالي للمنصة أن عددًا من عمال الشركة تواصلوا معه حول زملائهم المقبوض عليهم، وتوقع عرضهم على النيابة اليوم الأحد، لمعرفة التهم الموجهة إليهم.

موافي يؤكد أن المعتصمين "مش ضد الأمن بالعكس إحنا رافعين شعارات الجيش والشعب والشرطة إيد واحدة في الاعتصامات، وبنستنجد بالسيسي في اعتصامنا".

المنصة حاولت التواصل مع محافظ الدقهلية للتعليق على الأزمة دون أي رد على الاتصالات ورسائل واتساب، فيما قال عماد الدين مصطفى رئيس الشركة القابضة للصناعات الكيماوية، إن ديون الشركة وصلت إلى أربعة مليارات جنيه، بينما بلغت ديون المصنع لوزارة الري 30 مليون جنيه.

وأوضح مصطفى في حديثه إلى المنصة أن مقترح تطوير الشركة كان مطروحًا بالفعل في بداية الأمر، لكن تبين أنه يحتاج للكثير من الأموال التي قد تصل لتكلفة بناء مصنع جديد، مضيفًا أن خسائر المصنع هي السبب الرئيسي وراء القرار.

وبحسب تقديره، فإن نقل المصنع سيستغرق نحو ثلاث سنوات، ستستمر خلالهم مستحقات العاملين لضمان حقوقهم، ومن الممكن أيضا حصولهم على المعاش المبكر كضمان لحقهم.

اعتصام عمال سماد طلخا - بإذن خاص للمنصة

ولكن على الجانب الآخر، وصف المنسق العام لدار الخدمات النقابية وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان كمال عباس ما يحدث في مصنع سماد طلخا بأنه "محاولة واضحة لتشريد العمال" الذين "يدفعون الثمن دائمًا".

وتابع في تصريحات إلى المنصة "السيناريو ده اتكرر في مصنع القومية للأسمنت في حلوان، ووقتها قالوا للعمال اللي كلهم شباب ووصل عددهم لـ 900 عامل إنهم هيروحوا بني سويف، وفعلا الشباب وافقوا ولكن الأمر ما تمش لأن الكلام ده بيكون مراوغة، واللي تم إن الشباب دول خدوا معاش مبكر، وده كان الحل الوحيد".

العائد المادي من المعاش المبكر ربما يكون مقاربا لمرتبات العمال وفقا لحديث عباس، ولكنه ليس حلا "الأرض بتتباع بمبلغ كبير فبالتالي بيكون خيار المعاش المبكر بعائد مجزي، لكن بعد كده العمال دول هيعملوا إيه وهيشتغلوا إيه وكمان احنا في فترة وباء متوقع إنها تأثر على الاقتصاد والصناعات لفترة مش قليلة ممكن تبقى سنين، فكان الأولى بدل ما أنقل المصنع أطوره وهو في نفس مكانه".

وفي الوقت نفسه فإن قرار نقل العمال للسويس لن ينفذ في رأي عباس "إزاي ممكن هنقل 2400 عامل للسويس، على عمال السويس الأصليين ده كلام مش بيحصل، لكن العبارة دي بتكون لتهدئة الأمر بس ومبيحصلش في الواقع".

ما زال العمال مستمرين في اعتصامهم السلمي بصحبة أسرهم، يحملون أكفانهم في مواجهة قرار تصفية المصنع، يجتمعون بالمئات في الطرقات، يحملون أكفانهم وبعضهم يرتدي الكمامة وآخرون يرفعونها عن وجوههم ويقولون بسخرية مريرة "لو خفنا نموت بالفيروس هنموت من الجوع".