إبراهيم عيسى. الصورة: صفحته على انستجرام

إبراهيم عيسى كشخصية ورواية

منذ بدايات اشتغاله بالصحافة خلال الثمانينيات، كان إبراهيم عيسى مخلصًا لمشروعه الصحفي الذي ينتمي إلى مدرسة التحليل والبحث، لا مدرسة الخبر المجرد. في التسعينيات كثَّف عيسى من إنتاجه للروايات التي حاول من خلالها أن يحكي لقارئه ما لا يستطيع أن يكتبه من في مقالاته أو تحقيقاته الصحفية.

يكفي أن نتوقف أمام رواية مولانا التي خاض من خلالها عيسى معاركه الفكرية والسياسية مع أكثر من طرف. بدأ عيسى كتابة الرواية في 2009 عندما كان صحفيًا معروفًا بمعارضته لنظام مبارك. وحتى ميعاد نشرها في 2012، استمر عيسى في كتابة الرواية خلال المراحل التي مر بها وتضمنت نزوله إلى الشارع للتظاهر ضد مبارك في يناير 2011، ثم دوره كصحفي وإعلامي في المرحلة التي تلت إبعاد مبارك عن المشهد السياسي والتحضير لعملية سياسية انتقالية، وصولًا للمرحلة التي استعدت فيها جماعة الإخوان للوصول إلى الحكم.

في الرواية نشاهد شخصيات ونقرأ عن أحداث شبيهة بتلك التي تخصص عيسى في الكتابة عنها صحفيًا. بعيدًا عن اللغة البسيطة التي استخدمها والجمل الاعتراضية الطويلة، تمنح الرواية لمن قرأها في عام 2012 جرعة من الكتابة الروائية الطازجة التي تتحدث عن أشخاص وأحداث قريبة مما سمعه في جلسات النميمة السياسية، أو قرأ عنها في الصحف المتخصصة في فضائح رموز المجتمع.

كتب عيسى رواية "مولانا" كي تكون فيلمًا. جمل حوارية طويلة بين أبطالها، ووصف بصري للأماكن والأجواء. لهذا عندما تحولت إلى عمل سينمائي عام 2017، كان من الطبيعي أن يكون عيسى حاضرًا في كتابة السيناريو مع مجدي أحمد علي الذي أخرج الفيلم.

تناقضات عيسى لا تتوقف عند موقفه من مبارك عندما كثَّف عليه الهجوم خلال عمله كمذيع في قناة التحرير، التي أطلقها في الأشهر الأولى بعد إزاحة مبارك عن الحكم.

يضع عيسى في بطل الرواية والفيلم، الشيخ حاتم، جزءًا من روحه. فالشيخ حاتم في الرواية كما عيسى في الحياة، يتميز بإدراكه الدائم للحظة الراهنة وما تقتضيه كي يعظم مكاسبه ويقلل من خسائره أو يتجنبها كليةً. خلال السنوات التي خاض فيها عيسى معركته مع مبارك، أبقى على خطوط اتصال مع أجنحة داخل السلطة، وهو ما سهل عملية العفو عنه من مبارك عندما حُكِمَ على عيسى بالحبس لشهرين في 2008. في 2011 وما تلاها من أحداث، أثبت عيسى مهارته في التفاعل مع التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها الحياة السياسية المصرية، وهو ما استفاد منه كصحافي وروائي ومذيع تلفزيوني وصوت إذاعي.

في فيلم "الضيف" يتماهى خالد الصاوي مع شخصية عيسى وهو يؤدي دور الدكتور يحيى التيجاني. وبالتالي نرى خالد الصاوي يستلهم ببراعة روح عيسى خلال مساجلاته مع التيار الإسلامي الذي يمثله أسامة، وهو شاب متدين يزور أسرة يحيى للتعارف من أجل الزواج من ابنتهم الوحيدة، لتكتشف الأسرة أن كل هذا مجرد غطاء من أجل قتل الدكتور.

رواية إبراهيم عيسى

تبقى شخصية إبراهيم عيسى نفسه هي العمل الروائي الأهم لإبراهيم عيسى. تحولاته السياسية من النقيض للنقيض وأبرزها معارضته الشرسة لمبارك رئيسًا، ثم دفاعه عنه خلال محاكمته بتهمة إصدار الأمر بقتل المتظاهرين في يناير 2011. خلال جلسة محاكمة مبارك عام 2014 قال عيسى إنه "لا يتصور منطقيًا ولا يعتقد أن مبارك، أعطى أوامره بقتل المتظاهرين" و"أنه لا يمكن لرئيس مصري وطني أن يصدر هذا القرار".

عيسى الذي وصف نفسه بأنه "الصانع الأول" لقضية قتل المتظاهرين التي حوكم فيها الرئيس اﻷسبق مبارك، وصل إلى ذروة التحولات الدراماتيكية عندما نفى رؤيته لقوى الأمن وهي تطلق النار على المحتجين، كما نفى رؤيته لجثث خلال المواجهات، واكتفى باﻹشارة إلى رؤية أجساد مرفوعة على الأكتاف دون وجود دماء عليها.

اقرأ أيضًا: حوار مع إبراهيم عيسى من أمام تمثاله النصفي

إبراهيم عيسى. الصورة: يحيي خليفة

تناقضات عيسى لا تتوقف عند موقفه من مبارك عندما كثَّف عليه الهجوم خلال عمله كمذيع في قناة التحرير، التي أطلقها في الأشهر الأولى بعد إزاحة مبارك عن الحكم. فهو "الناصري" الذي يستطيع أن يقنع قارئه بحبه "لبطل الحرب والسلام أنور السادات"، وهو "الساداتي" الذي يمكن أن يتحدث لساعات عن "لحظات المجد للزعيم الخالد جمال عبد الناصر"، وهو "الجمهوري" الذاكر لمحاسن "الملكية"، والملكي الذي يحترم "الجمهورية". ومن الصعب لقارئه، وهو الغزير في الكتابة والظهور التلفزيوني، أن يدرك المواقف الحقيقية لعيسى من أي لحظة استقطابية في تاريخنا المعاصر. يساعد عيسى في ذلك موهبته الهائلة في الحكي والسرد، وقدرته في إقناع قارئه بما يريد، مستندًا إلى قراءات واسعة ومتعددة في التاريخ والتراث.

رغم ثقافته الواسعة وموهبته الصحفية، لا يحاول عيسى أن يكون صاحب مشروعٍ فكري مكتمل الأركان مثل محمد عابد الجابري أو محمد أركون. يحاول عيسى أن يقدم قراءة جديدة للتاريخ والتراث الإسلامي في إطار معركته الكبرى مع تيار الإسلام السياسي، والتي يستخدم فيها ترسانته من الكتب والروايات والبرامج التلفزيونية والإذاعية.

من الصعب اختصار عيسى في أعماله الروائية أو إنجازاته الإعلامية. يومًا ما كان عيسى وزميله في الجامعة عبد الله كمال وآخرين يصنفون باعتبارهم "أبناء مدرسة عادل حمودة" في الإثارة الصحفية. نجح عيسى في تجربته الصحفية الأبرز وهي "الدستور" أن يكون له أبناء يحاولون السير على دربه والتوسع صحفيًا وتلفزيونيًا لكن دون أن يحرز أحدٌ منهم جزءًا يسيرًا من نجاح وكاريزما عيسى.