تصميم: يوسف أيمن- المنصة

احتجاجات ما بعد كورونا: الشغب للشغب والتظاهر لطرد الملل

أكتب إليكم من قلب الموجة الثانية لفيروس كورونا، قبل الذروة الثانية بقليل. بلغ عدد المصابين في هولندا بالأمس 571 مصابا، لكن أعداد الوفيات لم تزد عن ثمانية. تقول الأرقام إن الفيروس فقد الكثير من قوته في الجولة الثانية من هجومه علينا، لكن الخبرة تقول إن الفيروس قد يسلك سلوكا غريبا، في أي وقت، وإن الأعداد قد تزداد، كما حدث في الموجة الأولى، عندما زاد العدد اليومي للمصابين عن 2000 مصاب، وكان الموتى بالمئات يوميا. ولكن هذا قد لا يحدث أيضا. يبدو الأمر تحت السيطرة على المستوى الصحي، هذه المرة، لكن التوابع النفسية والاجتماعية والاقتصادية لا تبدو كذلك.

الأسبوع الماضي، خرج رئيس الوزراء الهولندي مارك روتة في مؤتمر صحفي، ليعلن عن الإجراءات الجديدة لمواجهة الموجة الثانية من الوباء، وهي الإجراءات التي تشمل تحديد عدد الزوار في البيوت بستة زائرين فقط. وكان هذا الإجراء مستفزا لكثير من الهولنديين الذين اعتبروا أن الحكومة تغولت على حرياتهم الفردية، ومنحت نفسها حقوقا ليست لها، بحجة مواجهة الوباء. وفي التعليقات على فيديو المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء، قال أحد المشاهدين "ليس لأحد، أي أحد، الحق في أن يحدد لي عدد من أدعوهم إلى بيتي". يعبر هذا التعليق عن الضيق الذي أصاب الهولنديين من الإجراءات الحكومية، التي لم يبق منها سوى ارتداء الكمامات في الأماكن العامة. توقف الهولنديون عن الاحتفاظ بمسافة متر ونصف المتر، وضاقوا كثيرا بارتداء الكمامات، وانطلقوا في الشوارع والمقاهي والبارات كأن كورونا ليس له وجود، وكأنهم يريدون أن يقولوا إن الحرية أهم من الموت.

بعد أيام من مؤتمر مارك روتة، نشرت الصحافة صورة للملك فيلم ألكسندر ملك هولندا وزوجته الملكة ماكسيما مع صاحب مطعم يوناني أثناء قضاء عطلتهما في اليونان. وأثارت الصورة كثيرا من السخرية، إذ أوضحت أن الملك والملكة لا يحتفظان بالمسافة المنصوص عليها في إجراءات مكافحة الوباء. في مؤتمراته الصحفية الكثيرة التي عقدها رئيس الوزراء في الموجة الأولى، ردد أكثر من مرة أنه لن يذهب في عطلة سنوية خارج البلاد هذا العام، في نصيحة غير مباشرة للمواطنين بعدم السفر ككل عام. يقدس الهولنديون العطلة السنوية، ويعدون لها بحجز الفنادق وتذاكر الطائرات وكل المستلزمات قبل وقت طويل، وقبل أن ترتفع أسعارها. ومن النادر أن تجد هولنديا لا يسافر في رحلة طويلة مع أسرته خارج هولندا، مرة كل عام على الأقل. الملك نفسه، بوصفه مواطنا، اصطحب أسرته في رحلة إلى اليونان، ولم يتبع النصيحة غير المباشرة التي قدمها روتة، فلماذا يبقى بقية المواطنين متحجرين في أماكنهم؟ لماذا يحرمون أنفسهم من السفر؟


كبرت كرة الثلج، وتحولت إلى أزمة حقيقية، عندما تبين أن وزير العدل لم يلتزم بإجراءات التباعد الاجتماعي في حفل زواجه الذي أقيم مؤخرا. وكانت هذه الواقعة مثار جدل كبير في المؤتمر الصحفي الأسبوعي الذي يعقده رئيس الوزراء كل جمعة. اعتذر وزير العدل عن الخطأ الذي ارتكبه، ولكن الاعتذار لم يكن كافيا لمعارضيه، الذين طالبوه بالتنحي. يقول المعارضون إن وزير العدل هو الموظف العمومي المنوط به إنفاذ القانون، وإنه يتقاضى أجره من دافعي الضرائب مقابل ذلك، ويعتبرون أن خطأه يصعب تجاوزه، أو التغاضي عنه، بعكس الملك الذي لا يمتلك أية صلاحيات تنفيذية. يعمل الملك، لبعض الوقت، طيارا في الخطوط الجوية الهولندية KLM، ويقود طائرات ركاب مرة أو مرتين شهريا، وقد يصادفك الحظ لتكون على متن رحلة يقودها طيار يدعي فيلم ألكسندر. وهو يدفع الضرائب كأي مواطن هولندي، ولا يتقاضى أجره من دافعي الضرائب، بخلاف وزير العدل، الذي لا يعرف أحد كيف ستنتهي أزمته، وهل ستتوقف عنده أم ستمتد إلى الحكومة بأكملها.

فقدت سياسة الحكومة في مواجهة كوفيد 19 مصداقيتها، حسب استطلاع أُجري لصالح صحيفة AD الهولندية على عينة من 1077 شخصا. أظهر الاستطلاع أن 40% ممن شاركوا فيه فقدوا ثقتهم في سياسة الحكومة وعمل وزارة الصحة العامة لمواجهة كورونا، مقارنة ب15% في مارس الماضي. وتستطيع أن تلاحظ ذلك بوضوح في الشارع، بعيدا عن تلك الحكايات المسلية التي رويتها لك عن الملك والملكة ووزير العدل وعالم النخبة في هولندا. هناك أزمة اقتصادية حقيقية تكبر مع الوقت، وقد تصبح خارج السيطرة. تراجع الاقتصاد الهولندي بنسبة 9.5%، وارتفع معدل البطالة إلى 4.5%، وتراجع الدخل من السياحة بنسبة 72%، واختفت أكثر من 200 ألف وظيفة إلى الآن. الشركة المشغلة لمطار شخيبول الضخم في أمستردام، أعلنت عن خسائر كبيرة، قد يكون من نتائجها فقدان مئات العاملين وظائفهم في الفترة القادمة. ولا أستطيع أن أمنع نفسي من التفكير في احتمال أن يفقد الملك وظيفته في شركة الطيران الهولندية، إذا ما اتبعت سياسة تقشف شبيهة بسياسة الشركة التي تدير المطار، ولكن هذا هزل في مقام الجد.

قبل أيام، شهدت مدينتان من أكبر المدن الهولندية، هما لاهاي- العاصمة السياسية- وأوتريخت، أعمال شغب استمرت ثلاثة أيام. في حي شخيلدرزفايك في لاهاي، خرج الشباب إلى الشوارع لثلاثة أيام متواصلة، وأتلفوا كثيرا من الممتلكات العامة والخاصة، واشتبكوا مع الشرطة باستخدام الحجارة الألعاب النارية، وألقي القبض على عدد كبير منهم. يوصف حي شخيلدرزفايك، وترجمته الحرفية "حي العمال"، بأنه أكثر أحياء هولندا خطورة، بسبب ارتفاع معدل الجريمة فيه لسنوات طويلة. ويتكون الحي من خليط من السكان ذوي الأصول غير الهولندية، وهو ما يجعل فهم ما يدور فيه أمرا صعبا، بسبب تنوع الخلفيات الثقافية للسكان. وقبل سنوات، كان من الصعب على الشرطة الهولندية دخول هذا الحي في مجموعات صغيرة، قبل أن يدرك المسؤولون أهمية توظيف أفراد شرطة من خلفيات ثقافية متنوعة، وهو ما أدى إلى هدوء الأوضاع نسبيا. كانت هولندا تمر بموجة حارة عندما اشتعلت أعمال الشغب فجأة، وبدون أسباب. خرج شباب على موتوسيكلات، وأخذوا يشعلون النار في شارع هوفكادة الرئيسي في الحي، وشوارع أخرى. وعندما حاولت الشرطة التدخل ألقوها بالحجارة من فوق أسطح المنازل، وواجهوها بالألعاب النارية في الشوارع.


هل كانت للمحتجين مطالب؟

لا.

لم يكونوا محتجين أصلا، ولم تكن لديهم مطالب. عندما سألت محطة تليفزيونية أحد سكان الحي عن السبب، أجاب "الملل". توقفت أعمال كثيرة بسبب انتشار فيروس كورونا، وإجراءات مواجهته، واضطرت الأغلبية للعمل من البيت، لكن الفترة طالت على هؤلاء الشباب الذين يعمل كثير منهم في أعمال يدوية. صحيح أنهم يحصلون على تعويضات بطالة لكنهم يشعرون بالضجر بسبب إجراءات التباعد الاجتماعي التي لم يلتزم بها الملك ولا وزير العدل. قال أحد السكان "الأمر بسيط، إنهم ضجرون بسبب الحر وكورونا".

أتذكر، الان، المشهد الأخير في فيلم "الجوكر"، عندما اشتعل الشغب بلا مبرر، وساد العنف والفوضى كل شيء. فهل كانت هذه نبوءة؟