نهر النيل من السودان - صورة برخصة المشاع الإبداعي من حساب Stefan Gara على فليكر

عودة الفيضان واستعادة الذاكرة: نهر غاضب يدعونا إلى التضامن

من ذلك الهائم في البرية؟*

في اللحظة التي وصلت فيها حرارة النقاشات والخلافات حول سد النهضة ذروتها ثار النهر، بدا وكأنه يعرب عن غضبه من التشاحن والتراشق حوله. استعاد النيل فيضانه القديم وكأنه يدعو شعوبه للتضامن واستعادة الروح التي كانت تجمع كل سكان القرى لإقامة المتاريس وحراسة المنازل والمزارع من المياه وإعداد الاحواض الزراعية لاستقبال الغرين (الطمي) الذي يمنح الحياة لكل شيء على ضفتي الساحر القديم الذي يفيق مرة كل عام.

يدعونا النهر إلى تضامن أوسع، يجمع كل ناس النهر كطريق وحيد لننجو جميعًا من الخطرين؛ الفيضان والجفاف.

جاء هذا الحدث الاستثنائي في ظل مخاوف العطش التي تجتاح المنطقة. ورغم ربط بعض التحليلات بين سد إثيوبيا والتدمير الحاصل في السودان إلا ان وزارة الري السودانية ترجع ارتفاع المنسوب إلى زيادة معدل الأمطار بالهضبة الإثيوبية وداخل السودان خلال الأيام الماضية، بالإضافة إلى التوسع العمراني الذي سبب ضيق مجرى النهر في المناطق الحضرية.

ومع ذلك، فالنيل كان دائم التقلب. في بعض الأعوام نشهد زيادة في معدلات فيضانه وفي أعوام أخرى نشهد جفافًا غير مألوف. وربما ازداد هذا التقلب مع التغيرات المناخية على مستوى الكوكب والتغيرات الطبوغرافية على مستوى مجرى النيل.

بهذا الفيضان يستعيد النهر ذاكرة مئة عام، يخبرنا بأنه قد يشيخ وتتكسر أسنانه ولكنه أبدًا لا يموت. هذا هو أكبر فيضان للنهر منذ نحو قرن. غضبة النيل دمرت البيوت والحقول بالسودان وتسببت في وفاة العشرات، ولكنها أحيت كذلك روابط التضامن محليًا وإقليميًا.

يعود الفيضان كحدث كبير في مصر بعد أن خرج من حسابات المصريين مع إتمام بناء السد العالي وتعبئة بحيرته عام 1964. في هذا التاريخ نقلت منابع النيل إلى أسوان، ومع هذا التاريخ أصبح النيل في مصر تحت السيطرة ولم يتجاوز أثر الفيضانات المتتالية زيادة في فتحات المياه بالسد العالي وارتفاعًا طفيفًا لمعدلات التدفق في مجرى النهر والترع الرئيسية.

هناك جيل كامل من المصريين لم يشهد النيل الثائر وهو يعبر القرى ويدخل البيوت ويدمر الزرع، جيل كامل لا يعرف شيئًا عن الجسور البلدية التي كان الفلاحون يبنونها من الطين وعروق النخيل وسيقان الذرة، أو الجسور التي كانت تقيمها وزارة الأشغال. تدريجيًا؛ اختفى الفيضان كحدث صيفي رئيسي يغير ملامح المشهد الطبيعي والزراعي للبلاد وتصدر بشأنه البيانات اليومية عن القرى المهددة والجزر المحاصرة والجهود الأهلية والحكومية المبذولة لتفادي أثره المدمر للقرى والبيوت والزرع.


تتنشر صور كثيرة على مواقع التواصل والصحف والقنوات، لأشكال التضامن في المناطق المنكوبة بالسودان، ومن ضمنها جزيرة توتي السودانية التي صنع أهلها ملحمة تضامن بين السكان المحليين لمواجهة الفيضان وحماية جزيرتهم. ويعطينا مقال عبير ربيع فكرة أعمق عن أشكال التضامن المحلي والخبرات المتراكمة عبر الأجيال للتعامل مع الفيضان في إحدى الجزر النيلية.

قبل بناء السد العالي لم يكن ممكنًا وقف هذا المد الهائل من المياه المتدفقة من منابع النيل عبر السودان إلى مصر. لقرون طويلة كان فيضان النيل يمثل حدثًا مهمًا في مصر ويتم التجهيز لاستقباله ضيفًا خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر أغسطس. نسجت الأساطير حول الفيضان الذي اندمج داخل المنظومة العقائدية المصرية القديمة. مثلت شهور الفيضان الأربعة من أغسطس وحتى نوفمبر حالة نشاط دائمة للاستعداد والمواجهة وايضا البهجة المصاحبة لتخصيب التربة وتجديد حيويتها.

ورغم مشروعات الري العديدة بمصر والسودان التي تعددت خلال القرن العشرين منذ بدايته، وتحديدًا تشييد سد أسوان عام 1902 وتعليته مرتين في 1919 و 1933، فإن شيئًا لم يمنع النهر من اجتياح القرى والمدن والبلدات حتى اكتمل بناء السد العالي. في المتوسط، كان الإيراد السنوي للنيل يصل إلى حوالي 84 مليار متر مكعب، وتمثل نسبة المياه التي تأتي خلال شهور الفيضان حوالي 68 مليار متر مكعب بما يمثل حوالي 82% من جملة الإيراد الطبيعي للنيل.

وتستغرق رحلة المياه من الهضبة الإثيوبية إلى الحدود المصرية 15 يومًا، تصل فيها سرعة تدفق الفيضان في السودان إلى 330 كيلومترًا في اليوم لتنخفض إلى 168 كيلومترًا في اليوم بين السودان والحدود المصرية.

لقد اختفى تأثير الفيضان تدريجيًا منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى إتمام بناء السد العالي. كانت القرى الواقعة على ضفاف النيل تستعد لهذا الفيضان بإنشاء المتاريس ومراقبة النيل ليل نهار للتاكد من صلابة الجسور، لكن النهر كان يفاجئهم أحيانًا ويكسر الجسور ويدمر القرى والزرع وأحيانًا بيوت الطين التي كان الفلاحون يسكنوها.

لسنوات طويلة اعتبرت المتاريس من أهم منشآت حماية القرى من الفيضان؛ وهي عبارة عن سد ترابي مبني على حافة النهر أو الترعة ليحفظ المياه في مجراها. وتستمر هذه الجسور في حجز مياه الفيضان للاستفادة منها في عمليات الري إلى أن ينصرف ماء الفيضان ويزول الخوف من إغراق القرى[1].

أما الجسور فكان منها نوعان؛ جسور بلدية يلتزم أهل القرى ببنائها وصيانتها، وجسور سلطانية عامة تتولي الدولة رعايتها. وكانت هناك جسور دائمة وأخرى تنشأ لمواجهة حالات الطوارئ عندما تطغى مياه النيل وتهدد البلاد بالغرق.

في كتابه عن الطبيعة والامبريالية[2] يوضح آلان ميخائيل أن الجسور البلدية منحت الفلاح وضعًا مميزًا في إدارتها واعترافًا به كحلقة مركزية في إدارة الموارد الطبيعية غير متنازع عليه. كانت صيانة الجسور مسألة حيوية لحماية البلاد من الفيضان وقد اكتسب الفلاحون خبرات في صيانتها ودعمها بالتراب والقش وسيقان النباتات والمداومة على متابعتها خلال أيام الفيضان لحماية القرى. وقد كان لهذا العمل الموسمي دور أساسي في تضامن أهل كل قرية سويًا وتضامنهم كمجموعة مع أهالي القرى المجاورة، الكل كان مشاركًا في العمل على حماية قراهم وأراضيهم.

ولكن دور الجسور على أي حال تقلص مع تمدد دور الدولة في عمليات شق القنوات العميقة وبناء القناطر والخزانات في مطلع القرن التاسع عشر. ولكن مع ذلك فقد شهدت مصر فيضانات مدمرة مثل فيضان عام 1878 حيث تحطمت جسور جنوب القاهرة وفاضت المياه لتدمر قرىً عديدة بين القاهرة والمنيا وتغرق خطوط السكة الحديد. وفي عام 1946 كذلك عاشت البلاد أيضًا خطر الفيضان وكانت الدلتا كلها مهددة، وهرع الأهالي والسلطات لإقامة الجسور الترابية لانقاذ المنازل والاراضي. ويعد فيضان 1946 هو آخر الفيضانات الكبيرة في مصر.

قد تساقطت أسنانه في الفم
ولم يعد يقوى على الحب وألعاب الفروسية
- أمل دنقل

نقل السد العالي منابع النيل من الهضبة الإثيوبية إلى الحدود المصرية. ابتلعت هذه البحيرة الضخمة الفيضان حيت تقترب سعتها القصوى 192 مليار متر مكعب أي اكثر من ضعفي حجم واردات النيل السنوية. حين ولدت البحيرة والسد، مات الفيضان في مخيلة المصريين وفي مجريات الحياة اليومية وصارت شهور الفيضان شهورًا عادية كل ما يحدث بها هو ارتفاع نسبي في مياه الترع ومنسوب النهر نتيجة زيادة الفتحات بجسم السد. تظهر لنا العديد من الفيديوهات على موقع اليوتيوب بعضًا مما حدث في الفيضان الأخير عام 1964 وهو تاريخ بدء ملء البحيرة والذي اكتمل عام 1970.


هذا التغيّر الجغرافي أزاح الفيضان من الذاكرة الجمعية للمصريين ومعه كذلك أشكال التضامن والعمل الجماعي التي كانت ضرورية لإعادة تنظيم المجتمع المحلي، وتفكك الصراعات أو على الأقل تؤجلها أمام هذا الهدف الكبير؛ حماية القرية ومواجهة غدر الطبيعة.

رغم بهاظة وعظمة فقدك
إلا إنو الحياة ما وقفت
إلا أنو
في ناس بيغنوا
عشان تخضر الأرض ال نشفت
- محمد سالم حميد

النيل العجوز قرر العودة، وبعودته نشطت أشكال التضامن بين ناس النهر؛ في السودان داخل القرى، وبين القرى والمدن، وخارج السودان بتحركات سياسية داعمة وأيضًا بحملات شعبية وأهلية مثل مبادرة مرسال تترجم التضامن إلى إجراءات ملموسة، أضف إلى ذلك كله آلاف التغريدات والتعليقات المتضامنة مع السودان، وهي ليست نتاج حملة ما تديرها الدولة بل حس صادق وحقيقي بالتضامن الشعبي.

ربما اختفت هذه الأشكال من التضامن على مستوى القرى والبلدات في مصر لانتفاء الحاجة إليها مع بناء السد العالي، ولكن للتضامن أشكال أخرى تعبر الحدود جنوبًا نحو أبناء النيل في السودان، ما زالت الحاجة إليها قائمة لم تنتفِ.


* شعر أمل دنقل

[1] قاسم عبده قاسم، النيل والمجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك، 1978، دار المعارف، القاهرة.

[2] Mikhail, Alan. Nature and empire in Ottoman Egypt: An environmental history. Cambridge University Press, 2011.