تصميم: يوسف أيمن- المنصة

ما وراء القصة: يومياتي مع كورونا

الأحداث الكبيرة اللي بتحتل صحافة الخبر مهما كانت، هي في الأساس قصص إنسانية للأفراد اللي مرتبط بهم الحدث. الناس في الأخبار مش مجرد أرقام وإحصائيات وشوية معلومات من الخبراء.

لما انتشر فيروس كورونا، كل العالم كان بيتكلم عن الإصابات والوفيات وخطورة الفيروس ونقل العدوى، كلنا متعلقين في رقبة القطاع الطبي، من غير مانسأل نفسنا عن حال الناس دي؟ مشاعرهم في مواجهة حاجة مجهولة وقاتلة؟ ومسؤولية آلاف الأرواح اللي متعلقة في رقبتهم، واحساسهم وهم جوا دايرة الضوء فجأة، وحياتهم الشخصية: عائلاتهم وشغلهم وتفاصيلهم؟ كل ده ماكنش في مساحة نحكيه وسط سيل الأخبار عن الموت والعدوى والعقاقير والتجارب. في المنصة؛ فكرنا نعمل مادة توثيقية هدفها نسمع بس قصص الخط الأول في مواجهة كورونا، من غير مانتدخل فيها بشكل صحفي، نسمعها وننشرها بشكل إنساني زي ما أصحابها حكوها بالظبط.

اللي باعمله كان إني أسمع شهادات كتير وأختار إيه أكتر شهادات مميزة بينها وأستبعد المكرر أو اللي مافيهوش حاجة مميزة أكتر من يوم الشغل لإن كان الهدف هو إظهار هذه النماذج كبشر من لحم ودم. ولإن مش كل الناس متصورة إنها تعرف تكتب؛ كنت باساعدهم بوضع أسئلة بحيث تبقى زي محاور ليهم أثناء الكتابة والأسئلة دي كنت باحطها من خلال مناقشتي معاهم في مكالمات طويلة على التليفون. دا بالنسبة للناس اللي بتعرف تكتب، لكن كان فيها بعض المصادر ما بيعرفوش يقروا ولا يكتبوا، زي عمال النظافة في المستشفيات، ودول كانوا بيملوني الشهادة بالتليفون.

وعلشان الشهادات كلها كانت بالعامية؛ باكتب النهارده القصة وراء باب يومياتي مع كورونا، بنفس طريقتهم: العامية.

على مدار 3 شهور وأسبوعين وتواصل مع أكتر من العشرات من الفريق الطبي، وثقّنا منهم 32 حكاية. في أول شهر كان أغلب المشاركين بيقولوا إنهم راحوا بتكليف رسمي أو ماعملوش حساب خسارة غلق عياداتهم أو فقدان العمل في المستشفيات الخاصة على أساس إن فيه مكافآت من الوزارة، ودي حقوقهم كناس بتغامر بحياتها وحياة أسرها وحياتهم اللي ممكن تنتهي في لحظة. لكن اللي فرق إن كل ما الوقت بيمر كان عدد أطباء أكتر بيدخل العزل متطوعين من نفسهم وحتى من غير كلام عن حقوقهم، كانوا بيسعوا بنفسهم يساهموا في المواجهة بصدق أكبر، خصوصًا بعد خفوت نبرة "جيش مصر الأبيض" لحد ماوصل الأمر لاتهامهم بالتقصير، خصوصًا تالت شهر.

اللي سمعته منهم طول الوقت وهم بيختموا شهاداتهم: إحنا مكملين رغم كل حاجة. مثلًا الدكتورة أيتن أشرف اللي قعدت 3 شهور في العزل، وكانت خايفة تسيب مكانها بسبب عجز الأطباء، ومعرفتها إن الي هايجي بعدها هيبدأ من الأول وهي خلاص حفظت النظام.

اشتغلت على الملف دا 74 يوم كانوا مليانين بالمواقف بيني وبينهم. أول يوم في المشروع ماكنتش واثقة إني هاقدر أقنع ناس تتكلم، وإني أكسب ثقتهم وأخليهم يكتبوا بنفسهم وننتج سوا قصص مختلفة ومهمة. في الحقيقة أول شهادة كانت محبطة علي المستوى الشخصي، ماكانش فيها أي تفاصيل شخصية رغم أهميتها ووصفها للخسائر اللي تعرض لها الدكتور وعلشان كدا المنصة قررت تنشرها متأخر شوية. وبعد شوية مناقشات تحريرية مع فريق المنصة، قدرنا نطور طرق وأساليب نقدر من خلالها نخلي عملية الحصول على الشهادات إنسانية أكتر. الحقيقة إن كل قصة كانت بتفرض نفسها ومش محتاجة خطوط أو محاور تمشي عليها. لكن تركزت مخاوفي في إني أقنع المشاركين يكتبوا بنفسهم ونراجع ونعدّل سوا لو طلبوا مساعدة تحريرية مني. والمفاجأة كانت في ردود الأفعال، قد إيه المشاركين من القطاع الطبي بيفرحوا إنهم هيجربوا حاجة تانية، وإنهم بيكبتوا عن نفسهم بنفسهم مش صحفي بيسألهم سوالين والسلام. وبدأوا يكتشفوا هوايات تانية عندهم زي الدكتورة آلاء سعد اللي بدأت تفكر تنضم في ورش كتابة علشان تطور من مهارات، بعد ماكتبت شهادتها بايديها.

تاني مشكلة كبيرة واجهتني إني مش عارفة أرتب مواعيد المكالمات مع المشاركين، مواعيد ملخبطة ومافيش نظام بسبب ظروف عملهم خصوصًا وقت رمضان، نتحايل على كل الظروف علشان نقدر نوثق أكبر قدر من الشهادات، جبت أجندة وقعدت أكتب مواعيد كل دكتور أو ممرض أو عامل، وأضبط منبه الموبايل بمواعيدهم. تقريبًا حفظت مواعيد الشيفتات. أحيانًا كنا بنتكلم الفجر وأوقات بالليل متأخر، وأوقات 6 أو 7 الصبح.

مستشفى في تليفون

بعد مشكلة المواعيد بقى عندي مشكلة المصطلحات الطبية، من حسن حظي إن أول 2 أطباء وثّقت معاهم كانوا في إجازة العزل، وكان عندهم وقت يفهموني كل حاجة. بقيت أكتب وراهم ومع الوقت حفظت المصطلحات وأسماء الأدوية والأسعافات والطوارئ وحتى الأقسام والتدرج الوظيفي ده غير إني أخدت خبرة كبيرة في أعراض كورونا من كتر ما سمعت تشخصيات مختلفة من دكاترة وممرضات شغالين جوه العزل.

على مدار 3 شهور؛ عشت كل أجواء المستشفى من خلال التليفون: مكالمات وفيديو كول وصور، ومشاعر مختلفة وأنا بره سور العزل، فما بالك باللي جوا وعايش الوضع لايف؟ ممكن كنت أكلم دكتور أو ممرضة أو عامل 3 الفجر، المفروض إنه يكون خلص شغله ودا الوقت الوحيد اللي ممكن نتناقش فيه على محاور الشهادة بتاعته/ بتاعتها، وفجأة الباب يخبّط وتسمع كلمة "الحق أو الحقي". حالة الفزع والقلق دي كانت بتتنقل على التليفون، والمشاعر دي كلها بتتبدل بين الساعة والتانية، ممكن بعدها على طول نفس الدكتور الخايف المستعجل يكلمني بفرح كبير إن حالة خرجت أو اتلحقت أو اتحسنت، وممكن تسمع كلمة: الحالة ماتت.

واحدة من الشهادات كانت لعامل نظافة بيشتغل في مستشفى النجيلة، عمره ماخرج من مطروح، تقريبًا قعد أسبوع بيكلمني كل يوم يحكي لي شوية عن المستشفى واللي بيعيشه، ولإن النجيلة أول مستشفى تستقبل مصابين أجانب كان كل يوم بيكلمني بانبهار طفل بيكتشف العالم لأول مرة، أول مكالمة قالي "أنا دايمًا باسمع عن عربية صيني ولا جهاز صيني أول مرة أشوف بني آدم صيني حي وبرجلين زينا"، وبعدها حكى لي عن اتنين فرنساويين نزلوا في المستشفى، وماكنش مصدق انهم ملونين فعلًا زي ما بيطلعوا في الأفلام الأجنبي. الغريب أن عم حمزة كان صديق كل النزلاء الأجانب بثقافته، ولما كنت أسأله بتفهمهم إزاي كان شايف إن كل البشر تقدر تفهم بعض بالإحساس كده.

التفاصيل الإنسانية بتخليك تمر بحالات مختلفة، أحيانًا بتنقلك من الخوف للغضب، يعني واحدة من القصص كانت ممرضة وأم لطفلين، اضطرت تسيب أولادها في أي بيت من أهل البلد، وقبلت بالعزل بعد تلقيها وعدًا بمكافأة 20 ألف جنيه، ولأنها تعول أخيها الصغير بعد وفاة والديها فرحت وقبلت حتى لو كانت معرضة للموت، بس هي كانت شايفة إن أخوها اللي داخل أولى جامعة يستحق يروح بلبس جديد ويبقى معاه مصروف زي زمايله. اتصدمت لما عرفت إن مفيش 20 ألف جنيه لكن كمّلت في العزل أربع شهور، واتحول موقفها لارتباط بالمرضى وحسّت بأن ده دورها حتى لو مافيش مقابل.

القصة يمكن تكون سهلة، بس لما تعيش تفاصيلها هتحس بالسخط على الوهم اللي فئة كبيرة علقت أمالها عليه، في الوقت اللي هم كملوا شغلهم رغم إن مفيش مقابل.

مشاعر الفرح بخروج المصابين وتحسن الحالات اللي شاركوني بيها، كان في مقابلها مشاعر أكتر من الحزن والزعل.

في مرة في عز الليل، الممرضة أميرة كلمتني منهارة لدرجة إني ماكنتش فاهمة كلامها، ولما بدأت تهدا وأميز هي بتقول إيه، عرفت إن فيه حالة عندها ماتت. المريض كان من سن والدها اللي توفى في صغرها، وكانت بتحبه جدًا وكل يوم كانت تبعتلي تطورات حالته، لكن لما توفى هي انهارت، وقتها ماكنتش مستوعبة موقفها بس فجأة لقتني باشاركها العياط عليه.

في مشاعر تانية بتبدأ تختبرها من التجارب اللي بتسمعها.يعني مثلًا كانت أول مرة أختبر مشاعر الأبوة والأمومة في نفس اليوم في مكالمتين مختلفين: طبيب أطفال من المشاركين في الشهادات جوه العزل، وبنته الوحيدة الطفلة تقع ورجلها تتكسر، وتدخل في دوامة كبيرة من العمليات. في مكالمة واحدة الدكتور حكى لي الموقف أكتر من مرة، بيأكد لي قد إيه مشاعر صعبة لما تكون طبيب وتقدر تعالج أو تتابع حالة طفلك في الأوضاع العادية، لكنك تقف بين اختيارين احتمال تنقلها العدوى أو تسيبها تتعالج مع دكتور زميل وإنت بعيد عنها. في نفس الوقت سيدة بتشتغل فنية أجهزة طبية بتشاركني تفاصيل موت طفلها الأول قبل دخولها العزل بوقت قصير، وبالرغم من تطوعها واستمرارها خمس شهور في العزل، لكنها متلهفة للخروج علشان تجرب حظها مرة تانية. أوقات كنت بسمع بعجز، مافيش أي كلام هيهون اللي كانوا بيقولوه لي.

كالعادة؛ الأمهات هم أكتر ناس عليها ضغط باختلاف ظروفهم. وبما إن أغلب المشاركات كانوا أمهات لأطفال في أعمار مختلفة من الشباب للرضع فكان في قصص كتير قوي. الأم بتفكر في مكان آمن لأولادها لحد ماتخلص المدة بتاعة العزل، وفي عز مسؤوليات العزل الكبيرة جدًا هم مركزين في أولادهم كمان، متابعين مواعيد الأكل والأدوية وكل تفصيلة صغيرة حتى في لعبهم. الأمومة في ظروف استثنائية حقيقي عمل بطولي. الدكتورة داليا، أو فنية الأجهزة الطبية آية أكتر أمهات كان الدموع بتغلب صوتهم لما يحكوا لي عن أطفالهم، اللي كل يوم يسألوهم "هاتيجوا إمتى" أو "يارب كورونا تموت".

موت صاحب الشهادة

بعد تقريبًا 70 يوم من بداية المشروع، جالي خبر وفاة مسعف من النجيلة، بعد إصابته بكورونا. اسمه ماهر، تعرفت عليه أول ما اتحجز بعد العدوى، ولإن حالته ماكنتش تسمح بالكلام اتفقنا على الكلام بعد ما حالته تتحسن علشان يسجل حكايته مع كورونا. بس للأسف ملحقش. في وقت قصير جدًا حالته تدهورت ونزل عناية مركزة وتوفى بعد يومين.

مهما هاكتب عن وقع خبر وفاته علي مش هايكون كفاية أبدًا، جايز علشان ماكنتش حاطة في حساباتي إن الموت احتمال وارد، بس حسيت إن الوقت كان قصير أوي، وليه ميلحقش يكتب قصته قبل ما حياته تنتهي بالسرعة وبالشكل المأساوي دا. اللي فكرت فيه إن على الأقل ولاده الصغيرين يعرفوا باباهم ضحى بنفسه ليه، وإزاي سابهم في الدنيا لوحدهم. ساعات طويلة مرت وأنا باحاول أستوعب الخبر. بالرغم من اعتيادي على أخبار الموت في شغلي، بس المره دي كانت مختلفة، جايز علشان قصته تستحق تتحكي. أو لإني قربت أكتر من الصورة الكبيرة وكنت شايفة التفاصيل؟

خطوط الدفاع الكثيرة

المشروع بالأساس كان قائم على الفريق الطبي فقط، لكن مع تطور الأحداث بقى عندنا مبادرات كتير جدًا، زي مبادرة لإطعام المعزولين منزليًا ومبادرة لتوزيع الكمامات ومبادرات لتطهير المنازل في محافظات مختلفة. الأزمة خلقت خطوط دفاع موازية للطاقم الطبي، فحسينا إن لازم ياخدوا مساحة يحكوا عن نفسهم. مبدأ "النجاة الجماعية" كان أكتر حاجة بتجمع كل الجهود دي، حتى لو أصحابها ماقالوش دا بشكل صريح. لكن كل أصحاب المبادرات أشاروا إن العمل العام بيساعدهم يتجاوزوا مخاوفهم وقلقهم. ودا كان بيساعدني إني أتغلب على خوفي وأنا شايفة إننا لسه قادرين نشيل بعض.

المشاركين ماكنوش كلهم مستعدين يشاركوا يومياتهم، فيه ناس كتير كانت بتقفل في وشي السكة عادي جدًا أو يتهمونا باستغلال الظروف، أو كانوا بيقولوا أسباب منطقية من وجهة نظرهم إننا مش لازم نتكلم دلوقت وكفاية ننقل أرقام الإصابات والوفيات، وفي بعض المكالمات كان فيه ردود غريبة للاعتذار عن رفض المشاركة زي لما دكتور قال لي "إحنا طبعًا علمي فتفكيرنا مختلف عن بتوع اقتصاد وإعلام والحاجات اللي بتاخد من أدبي دي.. ههه"، فكرت أقنعه أن ده اختياري وأنا حرة، بس حسيت إن ليه يحطني في خانة تبرير شغلي اللي بحبه واخترته بإرادتي؟ فعدينا الموقف، أو مصادر تانية كانوا شايفين إن الصحافة دي "شغلة الناس الفاضية"، وللأسف الوقت ماكنش كفاية إني أشرح لهم أهمية اللي بنعمله، وكنت باقول لبعضهم لما نبدأ ننشر وتشوفوا حلقات المشروع هاتفهموا ليه فريق كامل سخر جزء كبير من وقته علشان يسمع ويوثق قصصهم.

التواصل بكل السًبل مع المشاركين من غير مقابلات في أرض الواقع كان مرهق جدًا، بس طبعًا كان مفيد في تقليل حالات التحرش اللي في الغالب بنتعرض له كصحفيات علشان إحنا بس صحفيات، واعتقاد بعض المصادر صيد سهل (كُتب هذا المقال قبل يوم 17 أغسطس وتفجّر إدعاءات التحرش والاغتصاب ضد أحد الصحفيين بحق زميلاته)، الشعرة اللي بين الود في التعامل وبين الجدية عاملة زي حد السيف، وإنت بتمشي عليه حافي. بس مهما حاولت تتزن وتكون سريع مش هتنجوا بشكل كامل من الأذى.

تعرضت لمضايقات كتير أثناء جمع وتجهيز هذه الشهادات بس كانت بأنهيها سريعًا على التليفون، لكن في يوم تواصلت مع طبيب كان في العزل وأصيب وكانت عنده قصة إنسانية قوية، لكن بعد مواعيد كتير جدًا مابيلتزمش بيها، كان مًصر أننا نتقابل في وقت غلق كل الأماكن. في الأول تفهمت طلبه لإن طبيعي أي حد هيقلق من شخص ما يعرفهوش وبيكلمه على نشر صحفي، وإنه أكيد عاوز يتطمن، عملت الاجراءات العادية اللي بنثبت بها شخصيتنا، وبعت له نماذج من شغلي السابق وهكذا، لكن كلامه ماكنش مريح، ولإن الستات بتقدر تحكم كويس بين التحرش المقنع، والتأكد من الهوية اللي هو من حق المصدر؛ أخدت موقف حاد جدًا، وبناء عليه موقفه تحول من الصرار على طلب المقابلة للمساومة على الحصول على شهادته، فاكتفيت بقتل القصة.

في المقابل؛ ومع الوقت والمواقف والمعايشات اتخلقت روابط بيني وبين المشاركين، مبقاش الموضوع مجرد شغل ومبقتش علاقة صحفي بطبيب بيقول شهادته، الموضوع تحول لصداقة مع كل المصادر اللي وثّقت قصصها. فيه ناس كتير منهم بعد رفع الحظر طلبت أقابلهم وأشكرهم بشكل مباشر على وقتهم وثقتهم فيّ، وفيه ناس مازالت علاقتنا افتراضية بسبب المسافات والسفر لكنها مميزة جدًا، وعلى الرغم من حزن القصص المفجعة عن شبح الموت القريب مننا، لكني انبسطت في الفترة دي جدًا، ولكل الناس اللي مرت وساعدت إن يكون فيه مادة صحفية كاملة بتحكي قصص ناس مختلفة بتواجه المرض بطريقتها في نفس الإطار اسمها: يومياتي مع كورونا.