أبو زيد الهلالي يقطع رأس حجازي بن رافع - الصورة من ويكيبيديا برخصة المشاع الإبداعي

سيرة بني هلال: النص الحاكم والتاريخ المقدس

مما حكاه لي الأجداد أن راوي سيرة بني هلال جابر أبو حسين كان يأتي سنويًا من قريته آبار الوقف بمركز أخميم في محافظة سوهاج إلى قريتنا كوم العرب التي تبعد عنها نحو 60 كيلومترًا كلما فاض النهر وغرقت الأراضي الزراعية بماء الفيضان ليتوقف العمل في الغيطان ويصبح في الوقت متسع للجلوس في المقاهي الريفية التي كان اسمها الدكاكين، وسماع أخبار معارك بني هلال مع الزناتي خليفة على أرض تونس الخضراء.

كان أبو حسين يختار واحدًا من دكاكين القرية حيث يفرش له صاحبها فرشًا بدائيًا بسيطًا فيظل مقيمًا طوال ثلاثة شهور الفيضان، يتغنى بالسيرة كل ليلة وينام في الدكان ويأكل ويشرب وينفق من عوائد ما يجمعه له الزبائن كل ليلة.

وبمرور السنوات تخلقت أجيال باتت السيرة الهلالية جزءًا من تكوينها الثقافي وانقسمت بين أحزاب تؤيد أبو زيد الهلالي وأخرى تحب خليفة الزناتي وأصبحت هناك قرى تدعم مواقف الهلالي وتعتبره بطلًا غازيًا وأخرى تؤيد الزناتي وتراه شيخًا حكيمًا يدافع عن بلاده ضد جيوش الغزاة القادمين من الجزيرة العربية لاحتلالها.

ومع آخر فيضان شهدته مصر عام 1964 بعد بناء السد وتحويل مجرى النهر، ظل أبو حسين يشدو بالسيرة الهلالية مع تغيير المسرح الذي يصدح على خشبته، فبدلًا من الغناء في الدكان أصبح يتغنى في ليالي الزفاف وحفلات الطهور، وهي مناسبات سعيدة بما لها من علاقة بالعزوة والإنجاب وزيادة أعداد الرجال في العائلة أو القبيلة. ومن المناسب لهذه الأجواء الاستماع إلى تفاصيل بطولات الأجداد الفرسان الذين يعتبرهم الناس قدوة طيبة يتمنون بلوغ ما بلغوه من مجد وخلود عبر التاريخ.

وفي الفترة ذاتها كان أبو حسين يسجل لإذاعة الشعب الحكومية حلقات السيرة الهلالية بشرح عبد الرحمن الأبنودي، فتحول المسرح مرة أخرى وأصبح الناس يتحلقون كل ليلة حلقات في المناضر (وهي جمع منضرة؛ القاعة الواسعة التي تتجمع فيها العائلة) حول جهاز الراديو لتبدأ طقوس الاحتفال بالسمع في الساعة العاشرة مساء.


يستهل الأبنودي بتلاوة المقدمة المتضمنة الحدث الذي سيرويه الشاعر، وبعدها يقول عبارته المشهورة "قول يا عم جابر"، ويقول العم جابر حكاية أو موقفا من مواقف الهلايل في بلاد الغرب التي يعرف الجالسون حول جهاز الراديو أن أجدادهم عاشوا فيها ضمن قبائل الحلف الهلالي ثم حكمت عليهم الطبيعة القاسية بالعودة مرة أخرى إلى وادي النيل، والتحول من التجوال في الصحارى إلى الاستقرار في البيوت المبنية بالطوب الأحمر والطين على ضفاف النهر واحتراف الزراعة.

ومع احتدام موجة سفر أهل الصعيد إلى دول الخليج سمحت الطفرة المالية للكل تقريبا بامتلاك أجهزة راديو كاسيت يابانية الصنع قادرة على التقاط موجات إذاعة الشعب الضعيفة، فكان الاحتشاد لسماع السيرة كل ليلة تبدأ بوادره من بعد صلاة العشاء بتجهيز المجلس أو المكان الذي سيجلس فيه المستمعون من عشاق السيرة وتجهيز الراديو وضبط الموجة وإعداد أكواب الشاى وغير ذلك من أدوات الترفيه الحلال المتاح، وتنتهي الحلقة فتتفجر الحكايات ويعرض كل واحد من المستمعين ما لديه من أخبار وحكايات ويسوق للحضور ما سيحدث في الحلقات القادمة وما سيقع من معارك وأحداث حفظها منذ أن كان شابا يجلس في الدكان مستمعا للشاعر جابر أبو حسين قبل أن يغادر أهل القرى ويصبح من نجوم الإذاعة المشهورين.

وبمرور السنوات توقفت إذاعة الشعب وتوقفت حلقات السيرة الهلالية وظهر بديل آخر هو شرائط الكاسيت التي حملت معها ميزة التحكم في وقت الاستماع، فلم ينقطع الاستشهاد بأبيات الشعر الواردة فيها عن الأحاديث اليومية ولم ينقطع تدعيم الكلام العادي بحكاية أو حكايات ومواقف مجتزأة من السيرة. فالناس لا يقرأون الصحف ولا الكتب رغم أن أولادهم وبناتهم التحقوا بالمدارس، وأما السيرة بالنسبة لهم هي الوعي والثقافة والمتعة والتاريخ المقدس والحكمة الخالصة، وأبطالها هم الكبار في عيونهم وقلوبهم.


بنو هلال بين التاريخ والسيرة

تقول كتب التاريخ* إن سيرة بني هلال التي كتبت بالشعر الشعبي يبلغ عدد أبياتها مليون بيت وربما أكثر تروي تفاصيل تغريبة قبائل نجد والحجاز وجنوب العراق وهم بنو هلال، وبنو سليم، والأثبج، والدريدات، وجهينة، وزغبة، وغيرها من قبائل عدنان وقحطان، إلى أرض تونس. وتختلف السيرة الشعبية عن التاريخ الموثق في مبررات التغريبة.

فالسيرة تقول إن الجفاف في نجد والحجاز استمر سبع سنوات كاملة حتى هلك الناس وهلكت الماشية وكان لابد من البحث عن أرض خصبة تضمن للقبائل البقاء.

لكن التاريخ المدون بمعرفة من عاصروا التغريبة يقدم مبررًا مغايرًا فيقول إن الفاطميين تغلبوا على بني هلال والقبائل المتحالفة معها فنقلوهم إلى مصر وأسكنوهم في الصحراء الشرقية بين سلاسل جبال البحر الأحمر ونهر النيل، وأمروهم بالبقاء في الصعيد وحرموا عليهم الانتقال إلى غرب النيل.

إلى أن جاء عام 1149 فقرر اليازوري وزير الخليفة الفاطمي في مصر منح المعز بن باديس، حاكم إفريقية التي تسمى الآن تونس، لقب شرف الدولة. وعقب حصول ابن باديس على اللقب تفجرت ثورة دينية في إفريقية تطالب بالتخلي عن المذهب الشيعي الإسماعيلي، مذهب الفاطميين، والعودة إلى المذهب السني، ليقرر ابن باديس العمل بالمذهب المالكي السني والتخلي عن المذهب الفاطمي، وخطب فعلًا في المساجد للخليفة العباسي القائم بأمر الله، الذي اعترف من جانبه بولاية ابن باديس في تونس واعتبره نائبًا عنه.

وهنا قرر الفاطميون استعادة مجدهم وملكهم الضائع فأرسلوا بنى هلال ومن حالفهم من قبائل لقتال ابن باديس ومنحوا كل هلالي دينارًا وفرسًا، وتوجهت القبائل إلى تونس لإنجاز مهمة ردع ابن باديس تحت الراية الفاطمية ووقعت المعارك بين بني هلال وبين جيش ابن باديس المكون من قبائل بربرية؛ الزناتة والعرب القدامى من أيام الفتح الإسلامي. وفي أثناء المعارك تخلت الزناتة عن ابن باديس وانضم عرب الفتح إلى أبناء عمومتهم من بني هلال وحلفهم المشرقي.


ولا تذكر السيرة الهلالية هذه الوقائع أبدا، بل تذكر أن بني هلال تحركوا تحت ضغط الجدب والقحط الذي أصاب بلاد نجد والحجاز وتحت قانون الشهامة والنخوة العربية لإنقاذ الأشراف، بنو هاشم في تونس، من الظلم الواقع عليهم، فتسرد السيرة قصة استنجاد الأمير عز الدين بن الشريف جبر القريشي برؤساء قبائل الحلف الهلالي بعد قيام خليفة الزناتي بالاستيلاء على أرض لهم في تونس وقتله أحد عشر ألفا من الأشراف أثناء سجودهم في الصلاة.

ولهذا السبب تحركت قبائل الحلف الهلالي بدافع قرابة الدم وبدافع الإيمان للدفاع عن آل البيت الأشراف، وبهذا تكون تغريبة بنى هلال عملا شريفا وليس اغتصابًا للأرض من ملاكها وحكامها، وهو النهج الذي سارت عليه السيرة في حوادثها فهي تقدم البطل أبو زيد بن رزق بن نايل الهلالي وتعرفه بأنه من أم تسمى خضرة بنت قرضة الشريف، وقرضة هو حامي الحرمين الشريفين، رجل هاشمي يحمل مفاتيح الروضة الشريفة.

وتزوج رزق بن نايل خضرة الشريفة تنفيذا لوحي سماوي حيث سمع صوتا في خلوته يطلب منه السفر لأداء فريضة الحج والزواج من واحدة من بنات الأشراف ليرزق بالولد الذي انتظره سنوات طويلة وعانى معاناة قاسية بسبب عدم إنجابه ذكرا يحمل اسمه ويرث المال من بعده. ويتم الزواج وتشاء الأقدار أن يرزق بالولد أبو زيد. ولأنه أسود البشرة يقرر رزق طرد خضرة ومعها طفلها وكان عمره سبعة أيام لتعيش في كنف أمير قبيلة الزحلان وتتوالى الأحداث فيعود أبو زيد لكنف والده وتعود خضرة الشريفة معززة مكرمة ويتولى أبو زيد مهمة فارس بني هلال ويخوض الحروب الرهيبة ضد خليفة الزناتي.

من داخل هذه القصة، الإطار، تتوالد القصص التي يختلط فيها الحب والحرب دون ذكر للدور السياسي الذي لعبته قبائل بني هلال في تلك الحقبة من التاريخ المسماة لدى المؤرخين بالعصور الوسطى الإسلامية. ويذكر المؤرخون أن بني هلال كانت لهم أدوار سياسية مضادة للدولة العباسية التي احتقرت العرب وقامت على أكتاف الفرس، على نقيض سابقتها؛ الدولة الأموية، التي اعتمدت على العرب اعتمادًا كليًا وعقدت الاتفاقات مع بني سليم وبني هلال وغيرهم من القبائل لتضمن تأمين طرق التجارة والحج داخل حدود الدولة. وبالتالي عندما أدارت الدولة العباسية ظهرها للعرب أصبح بنو هلال وبنو سليم يلبون دعوة كل ثائر على دولة بني العباس واشتركوا في دعم ثورة القرامطة في البحرين طلبا للغنائم والثروة دون إيمان بعقيدة القرامطة التي قامت على مبدأ شيوعية المال والنساء وفعلوا ذلك مع الفاطميين لذات السبب وكان زحفهم لقتال ابن باديس في تونس.


قبائل الحلف الهلالي في الصعيد

توجهت أقسام كبيرة من قبائل الحلف الهلالي إلى بلاد المغرب العربي لقتال ابن باديس تحت الراية الفاطمية وبقيت أقسام من ذات القبائل في صعيد مصر، وظلت تعيش في الجانب الشرقي للنيل عيشة تزاوج بين الفلاحة والبداوة، ولم تنس عاداتها الصحراوية القبيحة المتمثلة في السطو والإغارة واحتقار الفلاحين القبط، الأقباط، وجاءت أفواج أخرى من نجد والحجاز لتقيم بجوار هذه القبائل النجدية الحجازية.

ولو اعتمدنا التقسيم الإدارى المتبع في مصر حاليا لرسم خريطة تواجد العرب في بلاد الصعيد؛ فنقول إن الصعيد يبدأ من محافظة الجيزة ويتواجد العرب في مراكز وقرى الصف والعياط وأوسيم، وفي محافظة بني سويف حيث تعيش قبائل هلالية في مراكز وقرى الفشن وببا والواسطى، وفي محافظة المنيا يتواجد الهلاليون في مراكز وقرى بنى مزار ملوي وأبو قرقاص والعدوة، وفي محافظة الفيوم يتواجد قسم كبير من قبائل بني سليم وبني هلال، ومن هذه القبائل العبيدات، والحرابي، والفوايد، والفرجان، والبراعصة، وتوجد قبائل المرابطين وهي القبائل التي انضمت للحلف الهلالي وعادت إلى مصر في هجرة عكسية من الغرب إلى الشرق واستقرت في الفيوم والمنيا وبني سويف، إلى جانب القبائل التي استقرت منذ زمن الفتح الإسلامي وتغريبة بني هلال.

وفي سوهاج وأسيوط وقنا تتواجد قبائل جهينة والبلي وهوارة وهذيل وغيرها من قبائل اليمن التي اشتركت في الفتح الإسلامي. وهوارة واحدة من ضمن القبائل ذات الأصول اليمنية التي انضمت للحلف الهلالي واستقرت أقسام منها في قنا وسوهاج وأسيوط ومنها خرج همام الهواري الذي استقل بحكم الصعيد أربعين عاما انتهت بهزيمته.

كان همام يخوض الصراع ضد علي بك الكبير، المملوك الذي حاول الاستقلال بحكم مصر وفشلت محاولته بسبب تآمر محمد بك أبوالدهب ضده. وما يهمنا هنا من رسم تفاصيل خريطة العرب في الصعيد هو توضيح مركزية السيرة الهلالية في ثقافة الصعيد فهي تحكى قصص أسلاف هذه القبائل التي يتكون منها سكان محافظات الصعيد المسلمين، حيث تشكل السيرة الهلالية لهم موضوع هوية وتاريخ وثقافة موروثة يعتزون بها ويمجدونها ويمارسون قيمها في سلوكهم اليوم.


شعراء ملهمون وسيرة مقدسة

ينقل لنا الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي خبرته أثناء قيامه بجمع السيرة الهلالية من أفواه الشعراء والرواة أن شعراء السيرة يعتقدون أنهم ملهمون من السماء للتفرغ لمهمة غناء السيرة وحفظها. ويروي الأبنودي عن الشاعر الغجري الحاج سيد الضوي أنه سمع صوت ربابة تعزف من تلقاء نفسها لعدة ليال متتابعة وفهم هذه الحادثة الغيبية على أنها دعوة سماوية للتفرغ لغناء السيرة والسعي لحفظها.

ويدعم هذا التصور الذي يتبناه شعراء الهلالية إطلاقهم اسم المنبر على فريق العزف على آلة الربابة المصاحب لهم وهو ذات الاسم الذي يطلق على المكان المرتفع داخل المساجد وعليه يقف خطباء الجمعة ويلقون عظاتهم الدينية، ويحرص الشعراء أيضا على ذكر ما جرى من هلال الجد الأعلى لقبيلة بني هلال في غزوة تبوك حين دافع عن النبي وقاتل قتال الأبطال فدعا له النبي بسعة الرزق والغلبة على الأعداء وكثرة النسل. وهذه الحادثة المتخيَلة لها ما يدعمها في التاريخ الإسلامي فالثابت أن النبى محمد أصهر إلى بني هلال وتزوج منهم ميمونة بنت الحارث بن هلال، وعمه العباس تزوج أختها، وعمه جعفر تزوج أختها الثالثة. هذه المصاهرات كانت جزءا من تأليف قلوب العرب واجتذابهم للإسلام.

ويخصص شعراء السيرة مقاطع استهلالية للأحداث باللغة العربية الفصحى لتمجيد النبي العدنان والصلاة عليه ومدح آل بيته الأطهار ولهذا تحظى سيرة بني هلال برعاية الأشراف الهاشميين باعتبارها سيرة تمجد تاريخهم وتاريخ أبو زيد الهلالي ابن أختهم خضرة الشريفة، ويتولى الأشراف في محافظة قنا رعاية الغجر الذين تخصصوا في رواية السيرة ويكفلون لهم الحماية إذ أنهم شريحة فقيرة مهانة اجتماعيا تخصصت في غناء السيرة وغيرها من ألوان الغناء الشعبي الذي تحتاجه قبائل العرب في الصعيد.

وإلى جانب شعراء السيرة الهلالية يوجد في الصعيد حراس السيرة وهم من العرب حفظة السيرة، وكانوا يقومون بدور الرقيب على الشاعر لو أخطأ في سرد واقعة ردوه إلى الصواب وذكروه بما نسى من أحداث وقصص.

والشكل الشعري الذي تقدم به السيرة في الصعيد يسمى المربع وهو قالب شعرى شائع في محافظات الصعيد وفيه تتشابه الشطرة الأولى من البيت مع الشطرة الثالثة في القافية وتتشابه الشطرة الثانية مع الشطرة الرابعة.

طبيب الجرايح قوم إلحق
وهات لي الدوا اللي يوافق
فيه ناس كتير بتعرف الحق
ولجل الضرورة توافق


جض الزناتي وقال أخ
يا تونس تعبتي معايه
وما لقيت لي خِل ولا أخ
في الحرب يسند معايه


زعل الزناتي زمق قام
قال فيه جروح عبّت وشاحت
وإن كان على قول العلام
تونس بلا شك راحت

هذا النوع من الشعر هو الأنسب للمستمع فهو قصير العبارة يحتوي على الموسيقى المحببة الناتجة عن ارتطام القوافي ببعضها البعض، ويسمي بعض المتخصصين هذا النوع من الشعر باسم الواو وينسبونه إلى الشاعر أحمد بن عروس، رغم أن كل الشعر الشعبي الموجود في الصعيد مبني على هذا الشكل، أي أنه ليس قاصرا على شعر ابن عروس وحده.

وهناك أشخاص محترفون في التربيع أي تحويل الأشكال السردية والشعرية الأخرى إلى مربعات شعرية وهؤلاء اعتمد عليهم الشاعر جابر أبو حسين في بداياته واضطر إلى ذلك اضطرارا فقد حفظ السيرة الهلالية في مدينة الإسكندرية على أيدي متعلمين يحفظون السيرة بشكلها الكلاسيكي، ولكي يستطيع أبو حسين رواية السيرة في قرى الصعيد كان عليه القيام بتحويل السيرة إلى مربعات حتى يستوعبها الجمهور.


النص الحاكم كعقد اجتماعي

لا يوجد نص سردي يتداخل في الثقافة الصعيدية المنعكسة على حياة عرب الصعيد اليومية مثل السيرة الهلالية؛ حيث تشكل بوصلة أخلاقية يمتد تأثيرها إلى ترسيخ أعراف اجتماعية مثل الثأر والاحتفاء بالرجل الذي يقاتل من أجل رفعة القبيلة وفي سبيل الدفاع عن شرفها.

وقد يكون هذا النص سببًا في ترسيخ القبلية في الصعيد وتعزيز قيمها مثل مسؤولية كل منتسب لقبيلة في الدفاع عن أقاربه وأبناء عمومته وإن توزعت القبيلة وامتدت بين قرىً عدى، كما أنها تضع ما يشبه القواعد الحاكمة التي ينبغي أن تحكم أخلاق الرجل، كالكرم المبالغ فيه والسعي لنجدة المظلوم والالتزام بكلمته وإن بذلك في سبيل ذلك كل ما يملك، وعدم الرضوخ لرغبات العدو ولو كلفه الأمر حياته ذاتها والمثل الأعلى هنا أبو زيد الهلالي وغيره من فرسان العرب الذين تفيض السيرة الهلالية بذكر مواقفهم في الحروب والمعارك.

السيرة كذلك مسؤولة عن بقاء طقس مرماح الخيل حتى الآن، فما زالت الخيل معشوقة لدى عرب الصعيد والمرماح مهرجان شعبى يتم تنظيمه في مواقيت الاحتفال بموالد الأولياء الصالحين مثل سيدي عبد الرحيم القناوي في قنا ويدعى للمشاركة فيه الفرسان من كل قرى الصعيد. والسيرة في حياة عرب الصعيد تحيا إلى الآن عبر إطلاق أسماء أبطالها على الرجال والنساء ومن أشهر هذه الأسماء أبو زيد، ويحيى، ومرعي، ويونس، وغانم، ودياب، وعلام، وخليفة، وعقيل، وعطوان، ودوابة، وناعسة، وعزيزة وغيرها من الأسماء التي ورد ذكرها في النص.

ويظهر الأثر الثقافي للسيرة الهلالية وسيطرتها على العادات والأعراف في محافظات الصعيد في تجمعات أبناء قبائل الحلف الهلالي على فيسبوك بعد أن تفرقوا في البلاد، من خلال صفحات ومجموعات مثل صفحة قبيلة بني هلال التي يضيفون فيها رقم هاتف للتواصل وجمع الأقارب من الشتات، ومجموعة بني هلال أصل مصر والمجلس الأعلى لحكماء بني هلال التي تترجم قدرة قبائل الحلف الهلالي القديم على التجمع مرة أخرى في كيانات يمتد أثرها إلى الواقع، على هيئة مصاهرات بين فروع القبائل أو تحقيق مصالح اقتصادية مدعومة بصلات القرابة وعلاقات الدم.

ولم يقتصر الأمر فقط على القبائل الكبيرة بل امتد أيضًا إلى البطون الصغيرة داخل الهلالية الكبار مثل هذا التجمع لأبناء قبيلة الرماح من بنو سليم، أو تجمع بني هلال في مركز المراغة بمحافظة سوهاج، وهنا يمكننا ملاحظة الاهتمام بنشر السيرة الهلالية بأصوات الشعراء علي جرمون، وسيد الضوي، وجابر أبو حسين وغيرهم.

ومؤخرا قام الباحث المتخصص في الأدب الشعبي الدكتور محمد حسن عبد الحافظ بجمع نسخة ثانية من السيرة الهلالية من مناطق جنوب أسيوط وهي تختلف في التفاصيل عن النسخة التي جمعها الراحل الأبنودي.