تصميم: يوسف أيمن- المنصة

يومياتي مع كورونا| أول ما كورونا تخلص هاخد ولادي ونروح إسكندرية

الاسم: أميرة سيف.*
السن: 31 سنة.
التخصص: تمريض.
مكان العمل: مستشفى عزل تمي الأمديد العام، السنبلاوين.


أنا دخلت العزل أربع مرات كمان بعد المشاركة الأولى، الموضوع ماكنش زي ما تخيلنا كلنا أسبوعين وينتهي والحياة ترجع طبيعية. كل مره بيجيلي التكليف من الإدارة، لأني من القوى الأساسية في المستشفى وفي العناية المركزة. كل مرة كنت بنفذ التكليف علشان خايفة يحدفوني في مستشفى بعيد، كمان خايفة اتصاب من هناك بردو، يعني كده كده خطر وهأبعد عن ولادي، وفي الحالتين كورونا هيكون له نهاية.

المستشفى بقى عامل زي بيت الأشباح، كل حاجة باظت، الكلور أكل حاجات في المستشفى، واللي ما اتاكلش صدأ، ما هو كل نص ساعة بنرش المستشفى شبر شبر بكلور، حتى إحنا نفسنا بنترش كحول وكلور لما جسمنا باش، وكلنا جالنا جفاف وحساسية. الأوضاع بقيت كئيبة أكتر من الأول، بس جات لنا حالة من البلادة، بقينا متعودين ع الموت كل يوم في العناية.

الوضع علينا كطاقم تمريض بقى أصعب، فيه سوء توزيع للدكاترة حاجة كده مش مفهومة، يعني تاني مرة حجر ماكنش في دكاترة باطنة ولا حميات ولا صدر، كان معانا أطفال وجلدية وعظام، طيب دول ما يعرفوش يكشفوا ولا يركبوا جهاز تنفس صناعي، ولا لهم في العناية من أصله، يعني مرة من المرات دخلي دكتور لسه جاي، هو طبعًا وإحنا لابسين البدلة مش عارفين بعض، دخل قلت له مين؟ قالي أنا فلان دكتور نفسية، ضحكت وقلت له وإنت جاي هنا تعمل إيه، رده كان مضحك، لقيته بيقولي" قوليلي إنت عاوزة إيه وأنا هأعمله" طيب لما هو إنت مش عارف بعتوك ليه؟ إيه علاقة النفسية باللي بيحصل هنا طالما برة قصتك الاستشارات النفسية؟

اللي مننا قلبه كان جامد وفاكر إنه اتعود على الحالات في كورونا قلبه رق خالص خالص، لأن المرض خبيث مالوش ملكة.

كتمريض إحنا اللي شايلين الليلة كلها، الفريق الوحيد اللي بيتعامل مع كورونا بشكل مباشر، ومابيبقاش خايف من الحالات، يعني بندخل فوق العشر ساعات متواصلين، ونحمّي ونأكل ونغير وندخّل حمام ونركب أجهزة وندي أدوية، وكل حاجة تقريبًا، كأنهم أطفال ومسؤولين مننا، عكس الدكتور اللي بينزل يمر ساعتين تلاتة وخلاص، إحنا مقيمين جنب الحالات، ومسلمينها لربنا خالص، إحنا مش بنتعدي علشان ربنا هو اللي حامينا، مش الواقيات.

إنتم مش متخيلين يعني إيه بدلة واقية وفيها مليون طبقة فوق بعض، وشغل من نار مابنبطلش، وكل شوية ننزل مافيش وقت للراحة، المشكلة الأكبر بجد في خلع البدلة دي، عاوزالها ساعتين علشان تخلع وتتعقم، ببقى مخلصة شيفت الساعة 4 الفجر، آخد ساعتين كمان خلع وتعقيم ودش علشان أتأكد إني مأمنة، يا دوب أكلم ولادي شوية وأنزل الشيفت، مابلحقش أنام، غير مكالمات الدكاترة في عز ما أكون نايمة، الحقي في حالة في العناية بتتدهور، بنزل أجري علشان نلحقها.

اللي مننا قلبه كان جامد وفاكر إنه اتعود على الحالات في كورونا قلبه رق خالص خالص، لأن المرض خبيث مالوش ملكة، ولا مفهوم، بتعالج أعراض بس، يعني بتعالج وهم، المريض ده بيجيلك لوحده بالهدوم اللي عليه، لا معاه شنطة ولا حد من أهله بيجهزله حاجاته، هي مفاجأة وبيتاخد ويجيلنا وخلاص، إحنا هنا بنحاول بقا نعوضه إنه لوحده، بنشوف محتاج إيه ونجيب له، كان بيجلنا في الأول تبرعات كتير قوي، هدوم وأكل وحلويات وكل حاجه، كنا بنطلب، بنقول يا جماعة اللي هيجيب تبرع يجيبلنا جلاليب للستات، أو غيارات للمرضى، بنشوف الناقص ونطلبه.

الأطفال كانوا بيطلبوا مننا لعب علشان يتسلوا، كان بيجيلنا كور ولعب وحتى التابلت ناس اتبرعت به للأطفال، بس فيه حاجات كنا بنلم من بعض و نجيبها، حاجات بسيطة يعني صابون ومعجون سنان فرش حاجات نقدر نوفرها، حتى الستات المصابة كنا بنوفرلهم الفوط الصحية، ونتابع معاهم معاد دورتهم وندخّل لهم كل اللي محتاجينه.

العلاج للفيروس ده تلات حاجات؛ مناعة وأكسجين و نفسية، إحنا مانقدرش نحكم المناعة، بس في إيدينا الأكسجين والنفسية، وعلشان المرضى جوة العزل نفسيتهم بتتدمر بسبب بعدهم عن ولادهم، وانعزالهم وخوفهم، كنا بنلف الموبايلات بسترتش الورق الشفاف اللي بيلزق ده بتاع المطبخ، وابعت لأولادهم الماسنجر بتاعي اللي بوصل العيانين منه لأهلهم، وأخليهم يكلموا الحالة فيديو، ويفضلوا يطمنوا على بعض، يااه المكالمة دي بتفرق قوي قوي في نفسيتهم، وبتحسن استجابتهم للعلاج بنسبة كبيرة، وبتخليهم يفوقوا ويتمسكوا بالحياة.

والمرضى في العزل مش بيحسوا باللي بنعمله، وده غصب عنهم. جهاز التنفس ده أنبوبة كبيرة بتتوصل بالقصبة الهوائية، وجهاز السباب ده ماسك بيتحط على الوش، وبيبقا طالع منه ضغط هوا كبير، كل ده بيخلي المريض مخنوق و مش طايق نفسه ولا طايقنا، فيه ناس كانت بتشيل الماسكات وترميها في وشنا وتشتمنا، وأقل واحد كان "يتف" علينا ده كده زي ما يكون بيقول إزيك، كنا بنبقى متفهمين حالتهم وعارفين يعني إيه إنسان مش عارف يتنفس وشايف الموت حواليه.

الحمد لله الحالات بدأت تقل خالص، يعني دلوقتي فيه مثلًا في المستشفى كله حوالي 8 حالات، وخلاص مستيين قرار الوزيرة إننا نرجع مستشفى عادي والعزل يبقى في دور واحد بس، بالرغم من إن ده ممكن يسبب مشاكل كتير لأن الطاقم هينزل ويحتك بالناس، والحالة اللي هتيجي هتلف على المستشفى كلها بروا، بس أهو ده القرار في الآخر.

العزل علمني أهم درس في حياتي، أني ما أبعدش عن عيالي مهما حصل، مهما كان اللي هأعمله ده.

طبعًا كل مرة في العزل فيه حالات بتموت وحالات بتتحسن، بس فيه حالات بتعلق بهم قوي، زي طنط حنان، ست جميلة وهادية من المنصورة، وحنينة قوي. كنت بكلم ولادها كل يوم فيديو يطمنوا عليها، بس للأسف كانت مريضة كانسر، ومناعتها مافيش خالص، كانت جاية خايفة ومرعوبة، بس كنت بحاول أهون عليها و اطمنها، كنا بنقعد كده نعملها كل حاجه ممكنة علشان تتحسن، وفجأة اتدهورت حالتها وماتت.

وجع قلب، مهما وصفت محدش هيحس به إلا اللي جربه، وربنا ما يكتبه على حد، كفاية إحنا واللي بنشوفه، بنتعلق بالعيان تسألني لي ليه أقول ماعرفش، يعني بيقعد معانا أيام طويلة، مافيش غيرنا معاه، وبنتكلم معاه وندردش، ونقومه ونأكّله ونعمله حاجاته، وتطلع أوضتك وسايبه كويس، وفجأة يموت، مرض لعين مابيبقاش في تمهيد أبدًا في التدهور، الحالة تبقى فاقت وكويسة جدًا وفجأة كده تموت ويحصل تدهور مفاجئ في ثانية.

نفسيتي اتدمرت، خلاص مش قادرة من كتر اللي بشوفه، الموت في كل مكان حواليا، مابقتش باكل خالص، عايشة على السلطة والعيش، لما بكلم زوجي يقولي معلش اللي إنت فيه ده لازم يسد النفس، بحس إني عاوزة أهرب أروح مكان بعيد وأستجم و اقفل تليفوني، مش عاوزة أسمع عن ناس بتموت وبتتعب تاني أبدًا، بس علشان ده مكاننا ولازم نكمل بنحاول نهون على نفسنا، جبنا أنا والبنات سبرتاية صغيرة وطقم قهوة، ونطلع في الاستراحة نقعد بعيد عن بعض بمساحة ونعمل قهوة، أهو حتى لو بعيد أي حاجة تخلينا نفك مع بعض ونغير جو مهما كانت بسيطة.

لما بخرج 14 يوم بقضي منهم 10 عزل في البيت لوحدي من غير ولادي، مابلحقش أقعد معاهم خالص، 4 أيام وأدخل عزل تاني، الناس في الشارع مش في بالها خالص، ومش مهتمة بالمرض، إحنا اللي شايفين وعارفين خطورته، لما بخرج الناس بتبقى خايفة مني أكتر من المرض، مع إننا أكتر ناس بتخاف على نفسها و بتحافظ على حياة غيرها وملتزمة بالتعليمات. بطلت أنزل السوق خالص، وأنا رايحة للمستشفى بلبس الكمامة مابقلعهاش، وبحاول على قد ما أقدر ألتزم بالمسافة بيني وبين الناس، ابني ساعات لما يشوف زحمة ويكلمني، أو يشوفني لابسه ماسك وأنا برة، يقولي هو ليه يا ماما الناس مش خايفة من المرض، إيه ده هو الفيروس عندك إنت بس؟

العزل علمني أهم درس في حياتي، أني ما أبعدش عن عيالي مهما حصل، مهما كان اللي هأعمله ده، أنا كنت بدور على سفر دايمًا قبل كورونا، وكل مرة حاجة من عند ربنا بتعطلها، بس أنا قررت إني مش هأسيبهم لأي سبب مهما كنت هأقدر أوفرلهم فلوس وعيشة أحسن، لأن الفلوس مش هتعوضهم حناني واهتمامي بهم، ولادي اتبهدلوا قوي بعد مابقيت أسيبهم في بيت غير بيتهم، مهما كان بيت الجدود أمين عليهم، بس مبقاش فيه ماما، اللي بتحمي وتسرح وتهتم وتقول حافظ على كذا واعمل كذا، مبقاش فيه اهتمام بمواعيد الأكل ولا ملاحظة للعب ولا هدوم النوم غير هدوم الصبح واللعب، كل نظامهم اتغير ومبقوش حاسين بالاستقرار اللي بحاول أعمله لهم، فأنا اتعلمت إني مش هسيبهم أبدًا مهما حصل.

أول حاجة هأعملها لما أخرج من هنا هاخد ولادي في حضني، وآخدهم ونروح إسكندرية. ولادي بيحبوا البحر قوي و جو إسكندرية كمان واتعودوا نروح هناك في الصيف، فأنا مقررة إن كورونا تخلص وخلاص هانت إن شاء الله، وهاخدهم على هناك، عاوزة أعوضهم شوية، أحسسهم أني بكافئهم أنهم صبروا معايا كل ده، أحسسهم بشوية اهتمام واستقرار، على قد ما بحاول أوفرلهم شوية استقرار الكام يوم اللي بعرف اشوفهم فيهم.


* هذه شهادة لممرضة تنشرها المنصة في باب مخصص، بعد التأكد من هوية الكاتبة، والتحقق من شهادتها عبر اتباع الطرق المهنية والقانونية اللازمة، والحفاظ على خصوصية المرضى إن أتى ذكرهم، مع عدم التدخل في صياغة الشهادة من جانبنا إلا لضبط اللغة إن كانت بالفصحى.