تصميم: يوسف أيمن - المنصة

يومياتي مع كورونا| الأطفال اتعاملوا معانا على إننا شخصيات كارتون

الاسم: أحمد إسماعيل.*
السن: 26 سنة.
التخصص: طبيب مقيم جراحة تجميل.


قبل ما ندخل قصة العزل ورحت إزاي، فأنا أصلًا طبيب جراحة في مستشفى أبو قير العام، يعني تقريبًا تجربتي مع الفيروس بدأت من قبل حتى ما يتفرض العزل. قسم الجراحة في طوارئ المستشفى العام هو اللي بيتعامل مع كل الأمراض بجانب الجروح، أي مرض مهما كان معدي أو خطر، يعني لو جالك خناقة وواحد متقطع، أو مضروب بآلة حادة سببت له جرح كبير وبينزف، إنت هتجري تلحق النزيف، من غير ما تفكر هو عنده إيه علشان لو فكرت مش هتلحقه.

كان عندنا مريض سكر وجات له مضاعفات، وكان لازم نعمله فتحة كبيرة جدًا في جسمه؛ من الصدر لحد الفخذ. وكان عنده اشتباه كورونا، وواضح جدًا، بس هنعمل إيه مش هنسيبه يموت، اشتغلنا مع الحالة بالإمكانيات المتاحة، نقيس بقى على كده كل الحالات، واحد جاي يغير على جرح أو محتاج غرزتين، يطلع عنده اشتباه أو مصاب وما يعرفش، كلنا معرضين للعدوى، بس الطاقم الطبي لو واحد منه اتعدى بينقله للباقيين معاه.

موقف بقى عمري بجد ما هأنساه. إحنا طول الوقت في الطوارئ بيجيلنا ناس تتخانق معانا وتتعدى علينا، وتقريبًا اتعودنا، لكن في زمن كورونا الموضوع بقى أكتر لأن الناس كلها متوترة وخايفة، مع إن إحنا اللي المفروض تحت ضغط، دخلتلي حالة وأنا بكلمها عرفت إنها راجعة من السعودية وعندها اعراض، فروحت لبست ماسك ودخلتلها تاني، لقيتها بتشتمني، وأنا مش فاهم فيه إيه، طلعت متضايقة إني لبست ماسك وعاوزاني أشيله، قعدت تقولي لأ ما تتعاملش معايا بيه، هو إنت خايف مني علشان كورونا، ومصرة اقلعه ومش مهم بقى الخطر اللي هتعرضله، ولو اتعديت كام حد هيتضر بعد كده.

أما المواجهة التانية مع الفيروس كانت تكليف عزل في المدينة الجامعية بسموحة رمضان اللي فات، وكمان أول مجموعة تروح هناك، الجملة دي كانت كفيلة أني أرفض أروح العزل، خصوصًا أني جراح فماليش تعامل مباشر مع الفيروس، هأعمل إيه يعني مش فاهم، مش خوف من العدوى بس لأني طبيب جراحة في طوارئ مستشفى عام، فيعني صحيح بتعامل مع حالات اشتباه بس بتعامل معاها كجراح، تخصصي اللي بفهم فيه، بس يعني ماكانش فيه مهرب.

والدي عشان استشاري جراحة، لما عرضت عليه الموضوع قال لي لازم تروح وشجعني، وإني لو ماروحتش هيفوتني كتير، وبصراحة كان عنده حق، طبعًا ماما حاجة تانية، كنت حاسس إنها عاوزة تاخدني من إيدي و توصلني لحد هناك، خصوصًا إنها مش شغالة في المجال الطبي، كانت خايفة جدًا و قلقانة، طبيعي زي أي أم.

يوم 3 مايو رحت المدينة الجامعية، هنا كان أول موقف، استقبلني واحد من العمال وكان لطيف جدًا في تعامله، أخد الشنط وساعدني ووصلني للغرفة، وتقريبا عمل كده مع كل الموجودين، تاني يوم كلنا عملنا رابيد تيست، كلنا طلعنا سلبي إلا هو طلع إيجابي، طبعًا كنا خايفين جدًا وبقينا قلقانين، وبعدها عقمنا المدينة كلها.

دخلت لزمايلي، كان أغلبنا من نفس المستشفى، ماكنتش لسه اتجهزت، والعمال شغالين في نقل السراير ويخلوا كل أوضة حالة واحدة بس. اتسكنا وأخدنا أماكننا، تاني يوم اتجمعنا وجالنا وكيل وزارة الصحة وقائد المنطقة الشمالية اللي مش فاهمين لحد دلوقتي إيه علاقته بالعزل، بس ماشي، وقالوا لنا من بكرة هتستقبلوا حالات، كلنا كنا مخضوضين، أطفال وجراحة وعظام ومش عارفين هنعمل إيه، كلنا بنفكر ياترى المصابين دول عاملين إزاي، خوفنا مصور لنا إنهم كائنات غريبة.

أول حالة كانت واحدة ست، لما جات الإسعاف وقفنا نبص عليها ونشوفها، الحمد لله طلعت إنسان طبيعي زينا ومش مستاهلة خوف قوي كده، فخلاص اطمنا كلنا، وفعلًا حاجز الخوف جوانا اتكسر مع دخولها، أول يوم عدى إننا بنستقبل الحالات ونسكنهم ونقول لهم التعليمات، ونبص على الأشعة والفحوصات، حاجات بسيطة يعني لحد تاني يوم.

طبعًا أنا كجراح مش عارف هأعمل شغل الباطنة إزاي، بس حقيقي كانت من أمتع التجارب ليا، خصوصًا إني في بداية حياتي العملية، وده خلاني آخد خبرة كويسة جدًا، وزمايلنا من الباطنة ماقصروش، كانوا دايمًا بيساعدونا، وعلمونا نتعامل إزاي مع الحالات، وأول ما أدخل أقولهم يقفلوا الشباك، وإزاي أدي تعليمات، وأكمل متابعة، كلنا كنا بنساعد بعض وبنتناقش في الحالات، كأننا لسه طلبة وبنذاكر.

المدينة كمان كان فيها ميزة، إن في جنينة تحت، وزمايلنا من مكافحة العدوى والتمريض كانوا بينظموا الحالات وعاملين لهم وقت تريض، ينزلوا يشموا هوا وكل واحد يقف بعيد عن التاني، وفي مسافات أمنه بينهم، ولهم مسار معين يمشوا فيه، فكان فارق جدًا في نفسيتهم، و بالتالي استجابتهم للعلاج كانت أسرع.

حكايتي مع البدلة كانت مأساة غير كل الناس، يعني هي صعبة وطبقات كتير وبتسخن الجسم، وساعات بيجلنا هبوط بسببها، وكل الكلام ده، بس أنا كمان طويل شوية، ومقاسات البدلة كانت صغيرة عليا، فهي بتسخن و بتخنق وكمان ضيقة ومكتفاني مش عارف أتحرك، فلأ كانت مش سهلة ومعاناة كبيرة فعلًا، بس كان المدير في المدينة هو مديري في المستشفى العام، فقدر يوفر لي بدلة تانية مريحة أكتر من اللي موجودين في المدينة. في الصايم كنا فعلًا بننهار، كنت لابس البدلة بالنهار في الحر، وصايم، وساعات طويلة، وحسيت فجأة إني بهبط، خرجت وقلعتها وطلعت الأوضة، أول مادخلت اترميت على السرير، أنا مش نمت أنا اتقتلت من كتر التعب، فاتني الفطار طبعًا وصحيت بعد العشا بكتير.

خوف الكبار مننا بالبدلة كان أكتر من الأطفال، الأطفال كانت بتتعامل معانا على إننا شخصيات كارتون داخلة تلعب معانا في الأوضة، كان مهم إننا نطمنهم، ونقولهم إن ده مرض عادي وهيعدي زي أي دور برد. كان في طفل صغير مع مامته، كنت بدخل له مخصوص كل يوم بس علشان أقف ألعب معاه شوية وهو كان شقي وجميل. كمان كان في ولد وباباه من برة إسكندرية، كنت بروح أقف له على باب الأوضة علشان نلعب شوية، وهو كان بيتجاوب معايا ويقعد يلعب، كان بينا إحساس متبادل بالدعم، زي ما الطفل فرحان، أنا كمان كنت بستمتع بالوقت ده، إحنا كمان بنحتاج لدعم وترفيه عشان نقدر نكمل، كان بيفرق معايا نفسيًا جدًا كمان مكالمات ورسائل أصدقائي طول فترة العزل.

التجربة دي كانت أهم تجربة في حياتي، لأنها ساعدتني أنقذ حياة والدي، أنا خرجت من العزل بعرف شغل الباطنة، بعدها والدي اتصاب بكورونا، أنا اللي كنت قائم على علاجه كله، عزلناه في شقة لوحده، وبقيت بتعامل معاه، أنا اللي بطلع له بتابع الحالة، وبطبق البروتوكول وبديله علاجه، كان احتياطي معايا أرقام أطباء زمايلي، بس ده تحسبًا لو لاقدر الله كان حصل تدهور مفاجئ، وده فرق معايا نفسيًا جدًا، إن الحاجة اللي كنت رافضها هي اللي خلتني ألحق أبويا.

بعد ما قضيت فترة العزل رجعت لمكاني تاني في المستشفى العام، ومكمل شغل، إحنا من البداية بنعاني وزادت معاناتنا مع كورونا، وبقينا مفحوتين في الشغل، مش قادرين ننام أو نرتاح، فلما يتقال عننا متقاعسين دي كلمة قاسية جدًا، إحنا شغالين بإمكانيات محدوودة جدًا، لكننا مكملين، وفي الآخر إحنا مش مستنيين شكر من حد، لكننا مش عاوزين تقطيم، إحنا بنعمل اللي علينا، وأي تقصير زي إن مافيش سراير عناية أو أجهزة معينة، فده برة إمكانياتنا.


* هذه شهادة لطبيب تنشرها المنصة في باب مخصص، بعد التأكد من هوية الكاتب، والتحقق من شهادته عبر اتباع الطرق المهنية والقانونية اللازمة، والحفاظ على خصوصية المرضى إن أتى ذكرهم، مع عدم التدخل في صياغة الشهادة من جانبنا إلا لضبط اللغة إن كانت بالفصحى.