لوحة قديمة لأبي العباس السفاح في الكوفة. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

الخراساني: إرنست روم الدولة العباسية

تقول الأسطورة أن آخر أكاسرة الفرس يزدجرد الثالث بن شهريار بعد هزيمته على يد سعد بن أبي وقاص في القادسية، وقف أمام إيوانه في المدائن قائلًا "السلام عليك أيها الإيوان، ها أنا ذا منصرف عنك وراجع إليك، أنا أو رجل من ولدي لم يدن زمانه ولا آن أوانه"، وهذه الرواية حاولت الوصول إلى أصلها في الكتب التاريخية وجدت أن أصلها كالتالي؛ نقله محمد باقر المجلسي عن الحسين بن علي بن سفيان البزوفري عن محمد بن علي بن الحسن البوشنجاني عن أبيه عن محمد بن سليمان عن أبيه عن النوشنجان بن البومردان، وكل هذا مترجَم من الفارسية في القرن الحادي عشر للهجرة.

لكن ما علاقة ما قاله كسرى الفرس بأبي مسلم الخراساني؟ أبو مسلم الخراساني هو إبراهيم بن عثمان بن يسار بن سندوس بن حوذون ولد بزرجمهر، وهنا ينسبه ابن كثير الى الوزير بزرجمهر وزير كسرى أنوشروان، ويذكر ابن كثير له أيضًا عدة أسماء أخرى وكذلك ابن عساكر، ومن الأسماء الأخرى له اسم ابن خكّان أو ابن خاقان، وخاقان بالفارسية تعني ملك.

كانت كتائب العاصفة تنظيم ثوري له أجندته السياسية اليسارية التقدمية، ويريد توزيعًا للثروة في ألمانيا، لكن هتلر كان يريد ولاءً لشخصه بدون أي سياسة.

ومن هنا، وهذا استنتاجي الشخصي، ربما جاءت أسطورة أنه حفيد يزدجرد ووارث إيوانه الذي تنبأ به، وهي الأسطورة التي أعياني البحث في المراجع لأعرف أصلها، فلا أثر ليزدرجرد في ترجمة الخراساني في البداية والنهاية مثلًا، ولا حتى في سير أعلام النبلاء، أيضًا ربما التشابه بين بزرجمهر ويزدجرد يكون هو سبب هذه الأسطورة، على الرغم من نشأته البسيطة لأم جارية وعمله كسروجي في طفولته وصباه.

كتبت عن إرنست روم أكثر من مرة، أتذكر منها جمهورية فايمار، ومقال ليلة السكاكين الطويلة في الإعلام المصري، والحقيقة أن شخصية روم عندي أثرى بكثير من شخصية أدولف هتلر، كما أن شخصية أبي مسلم الخراساني أثرى بكثير من شخصية أبي جعفر المنصور قاتله. فلولا إرنست روم لم تكن لتقم للنازية قائمة، وكذلك لولا الخراساني لما قامت الدولة العباسية، وفي عز مجد روم كان هتلر بعد جنديًا صغيرًا ينظر له بإجلال، كذلك كان المنصور بينما الخراساني يذبح أعداء الدعوة العباسية من الأمويين في خراسان والعراق، وهنا أرصد أثر الرجل الثاني على الرجل الأول، الذي كان يومًا ما رجلًا ثانيًا بدوره، لنصحح عرجًا ما في التاريخ.

إرنست روم. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

حارب روم كل حروب ألمانيا التي عاصرها قبل النازية بما فيها الحرب العالمية الأولى، وتقلّد الأوسمة الرفيعة. كان جسده ووجهه مغطيان بندوب جروح الحرب بشكل ظاهر، وحتى بعد الهزيمة تحايل على معاهدة فرساي وأسس ميليشيا العاصفة التي وصل عددها إلى مليونين ونصف، هم من أوصلوا هتلر للحكم بالانتخاب وبالبلطجة والعنف ونشر الخوف ضد منافسيه، رغم صغر حزب هتلر النازي وقتها، لكن هتلر الذي كان من معجبيه حين رآه لأول مرة يقتل الشيوعيين في ميونيخ، كان يضمر أمرًا آخر.

لعنة نفوذ الرجل الثاني

كذلك كان أبي مسلم الخراساني، الذي ينقسم حوله الناس حتى يومنا هذا، وأنا شخصيًا ليست لي وجهة نظر محددة فيه، لكن الحقائق التاريخية تثبت أنه هو أول مؤسس حقيقي للدولة العباسية في خراسان، قَتل في سبيل تلك الدعوة 600 ألف نفس بحسب الطبري، وهَزم بجيشه هو، وليس السفاح ولا أبو جعفر اللذين كانا هاربين وقتها، آخر خلفاء بني أمية، مروان بن محمد، وأجبره على الهرب إلى مصر حيث قُتل في أبو صير، وهو الذي مهّد لتولي أبي العباس السفاح، وعندما مات السفاح بالجدري، حاول عبد الله بن علي العباسي، وهو عم السفاح وعم أبي جعفر المنصور، أن يستولي على الخلافة، فهزمه الخراساني شر هزيمة ومات مسجونًا، وهنا لا مجال للنقاش حول أنه لولا الخراساني لما تولى المنصور الخلافة، الذي لطالما كان ناقمًا عليه رغم صنيعه، وخائفًا من قوته ونفوذه، خوف هتلر من مكانة وتاريخ ونفوذ روم وكتائب العاصفة.

كانت كتائب العاصفة تنظيمًا مسلحًا له أجندته السياسية الشعبوية، لكن هتلر كان يريد ولاءً لشخصه بدون أي سياسة، ولاء الأثرياء والعسكرين والنبلاء، ووجد ضالته في الجيش الذي يمكن أن يبقيه في السلطة، فباع من رفعوه للسلطة في ليلة السكاكين الطويلة، أو ناخت دير لانجين ميسر، وتوافق هواه مع هوى الجيش بالتخلص من العاصفة، واستغل هتلر مثلية روم وإدمانه على الخمر وأمر ضابطين من الجستابو أن يعدماه رميًا بالرصاص إن لم ينتحر بنفسه، رغم طلب روم أن يعدمه هتلر بنفسه، وبعد وفاة هيندنبرج أقسم الجيش ولاءً شخصي لهتلر في 1934.

الخراساني على الشاشات

قُدّم الخراساني في السينما والدراما في أعمال كثيرة على مستوى الشرق الأوسط كله، وليس الدول العربية وحدها، فقد ظهر في مسلسل الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان، من إنتاج مصر، وفي مسلسل أبو جعفر المنصور، من إنتاج الأردن، وفي مسلسل صقر قريش من إنتاج سوريا، كذلك في أعمال إيرانية وتركية، وهو من وجهة نظر فارسية بطل عظيم غدر به العرب بعد أن ساعد الإسلام، تُسمّى باسمه الشوارع والمدارس الخ، ومن وجهة نظر القوميين العروبيين كما يظهر مثلًا في مسلسل صقر قريش هو عدو للعرب، ناقم عليهم شاعر بالدونية والنقص من أصله الوضيع وتمييزهم ضده منذ الصغر.

أما الحوار في مشهد قتل الخراساني في كل من مسلسليّ أبو حنيفة وأبو جعفر المنصور فمنقول نصًا من كتاب البداية والنهاية لابن كثير، أما مشهد القتل فقد التزم فيه المخرج شوقي الماجري بالبداية والنهاية أيضًا، أما في المسلسل المصري فقر قرر المخرج حسام الدين مصطفى أن يطعن المنصور الخراساني بنفسه ويلفه في سجادة.

لكن الداعية الكويتي ذو الميول الإخوانية طارق السويدان في برنامجه قصة وفكرة، فيرى أن الدعوة العباسية كانت بمثابة ثورة على الأمويين، أو لتصحيح الأمور، أي كان، أما الخراساني فهو كان أحد زعماء تلك الثورة، والثورة تأكل أولادها، وضرب أمثلة من الثورة الفرنسية ليدعم فكرته، والحقيقة أرى أنه يحاول اختلاق إسقطات معينة على حال الإخوان المسلمين حاليًا، على أساس أنهم كانوا ثوارًا و"الثورة كلتهم وكده".

مزاعم أخرى

ليس الإخوان المسلمين فقط من يروون قصة الخراساني من وجهة نظرهم، فالقوميين العروبيين يتكبّدون العناء في البحث في سريرته، وينسبون اليه القصص ليؤكدون عنصريته ضد العرب، منها أنه كان أثناء حملاته في خراسان يهتف بمجد خراسان، وأنه كان يستهدف العرب فقط دونًا عن الفرس وإبادتهم من المنطقة، بينما ما وصلنا من رواة التاريخ أنه رفع الرايات السوداء، وارتدى العمامة السوداء وزعم أنها سنّة عن الرسول في فتح مكة، وهي حاليًا نفس ما يدعيه تنظيم داعش، وكان ينسب نفسه للعباسيين ويقول إنه من نسل سليط بن عبد الله بن العباس عم الرسول، بل أنه سعى لخطبة عمة أبي جعفر المنصور آمنة بنت علي ليناسب بيت الخلافة، وكان يذهب للحج.

اما السلفيون فيدّعي بعضهم بتشيعه، خصوصًا بعد ظهور طوائف تزعم بإمامته، مستندين على نفس قصة يزدجرد، وسير وتراجم ونبوءات تزعم أن إمامًا سيظهر من نسل يزدجرد، ويدعي بعضهم الآخر بأنه عمل مع أبي موسى السراج الذي يقولون إنه كان علويًا، وتلقى أيضًا العلم على يد بكير بن ماهان والإمام إبراهيم بن محمد، ممن يسمونهم الشيعة العباسية، على الرغم أن المعروف أن العباسيين فتكوا بالعلويين.

كما نرى مما أسلفنا فقد كان تأثير كل من الخراساني وإرنست روم على أرض الواقع أقوى من كل من ابي جعفر المنصور وادولف هتلر، فالخراساني أنشا دولة خلافة إستمرت حتى دخول المغول بغداد، التي بالمناسبة بناها المنصور، وروم مكّن هتلر من حكم دولة هدمت أوروبا من شرقها لغربها في ستة أعوام وأزهقت أرواح ملايين البشر، ومازالت البشرية تعاني من ويلات تلك الحرب وتلك الأفكار الفاشية حتى يومنا هذا. وكم من قصص التاريخ نجد فيها أن الرجل الثاني كان أقوى تأثيرا من الرجل الأول الأشهر الذي غالبا ما يقتل هذا الرجل الثاني ليبني مجده المزعوم، وأنا هنا لست بصدد إنصاف سفاحين على سفاحين آخرين، بل بصدد تقويم إعوجاج في التاريخ، وإعطاء درس ربما يستفيد منه مستفيد، فالتاريخ يكرّر نفسه بطريقة مضحكة.


المراجع والمصادر:

  • البداية والنهاية: ابن كثير
  • المقتضب: ابن عياش
  • سير أعلام النبلاء: الذهبي
  • تاريخ الطبري: المجلد الخامس
  • الكامل في التاريخ: ابن الأثير
  • وفيات الأعيان: ابن خلكان
  • محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية: محمد بك الخضري
  • اغتيال العقل الشيعي: دراسات في الفكر الشعوبي: علي الكاش
  • مرجعية الشعر العباسي: بين الخبر والنص ومداخل مبدئية لقراءة المرحلة: عبد الله التطاوي
  • أبو مسلم الخراساني: نجدة خماش

    تم تعديل المقال بتاريخ 15 يونيو الساعة 12:30 بسبب خطأ تحريري في المراجعة قبل النشر. إذ تم تعديل جملة من "كانت كتائب العاصفة نظيمًا ثوريًا له أجندته السياسية اليسارية ويريد توزيعًا للثروة في ألمانيا"، إلى "كانت كتائب العاصفة تنظيمًا مسلحًا له أجندته السياسية الشعبوية".