تصميم: يوسف أيمن- المنصة

ليس كورونا وحده: لأن الرأسمالية تقتل أيضا

مجتمعات الرفاه لم تتبرع بسرير واحد لمسنين يموتون في إيطاليا بعد حياة حافلة من العمل والحب والحرب ودفع الضرائب، وحدهم، دون فرصة لتوديع ذويهم، أو احتضان أحفادهم. فهل ستتبرع لنا نحن سكان القبو في هذه المنطقة من العالم؟

لم تخدعنا الأرض، ولم تباغتنا أو تخوننا.

لقد حذرتنا مرارًا وتكرارا من أنها قد سئمت أفعالنا وجشعنا واستهتارنا وظلمنا وقسوتنا. أرسلت إلينا رسائلها منوهة عن حزنها، ثم عبرت عن غضبها عدة مرات بشكل عملي. قالت لنا إن التلويث الذي ترتكبه الدول الصناعية والنفطية الكبرى سيتؤدي إلى خراب بيئي يقضي على الفقير وبعده بوقت قصير الغني أيضًا.

على مرأى ومسمع من العالم، ينفجر وباء الكوليرا في هايتي عام 2010، بعد زلزال مدمر لم تتمكن الدولة من مجابهته. هذه دولة ليس لديها نظام صحي، فهي دولة فقيرة، ترغب في اللحاق بركب "الحضارة" اعتمدت النظام الرأسمالي فمات 250 ألف فقير من الزلزال، وعشرة آلاف من الكوليرا، بينما أصيب بوباء الكوليرا ما يقرب من 800 ألف من الفقراء.

الحمد لله الحافظ. الضحايا فقراء لا نأبه لهم. فهل يحب الله الأغنياء وحدهم؟

استمر عمل الرأسمالية القاتل يلوّث البيئة، ويتسبب في فناء الحياة البرية، ويُتعس الفقراء: قلة تعيش حياة الرفاهة على حساب أغلبية تعيش خارج التاريخ. قلة أقل تمتلك ثروات وموارد الكوكب، لتشتري القلة السابقة بالديمقراطية والحرية والرفاهية، وتستعبد الأغلبية.

نظريات فلسفية تخرج علينا مؤسِسة لفكرة أن الفقراء يستحقون فقرهم: جهلة، غوغائيون، مشعوذون، لا يؤمنون بالحرية، لا يستحقون إلا التسيير بالسوط. نعم "democracy.. but when". هم ليسوا مؤهلين للديمقراطية. أو كما قال "حقوق الإنسان لديكم، تختلف عن حقوق الإنسان في هذه المنطقة من العالم".

هذا خطاب صريح، مريح، مقنع، يوجهه قادة العالم الثالث لدول العالم الأول، ويقتنع الأخير، فنحن لسنا سوى كناسة البشر: إرهابيون، لا دور لنا سوى خدمة الإنسان المتحضر.

.. ولكن الرأسمالية تقتل.

ما قام به الإيطاليون من استهتار بوباء الكورونا مفهوم في إطار اعتقاد المجتمعات الأوروبية بأنها تجاوزت زمن الأوبئة: نحن أناس نراعي النظافة، ولدينا نظام صحي ممتاز. الأوبئة لا تأتي إلا للقذرين المتخلفين الأغراب. نحن قطعا سنهزم الوباء.

لم تواجه دول العالم الأول وباء سوى فيروس الإيدز في التسعينيات، إلا أنهم وجدوا سبيلًا لطمأنة أنفسهم: هذا فيروس لا يصيب إلا المثليين من الرجال، وعليهم ارتداء الواقي الذكري. "بالوعي والعلم والنظافة والاحتياطات تغلبنا على الإيدز". وربما عنّ لهم أن ذات الآليات ستقيهم كل الشرور.

ولكنهم نسوا أن الرأسمالية تقتل.

تحت حكم نظام شمولي استبدادي، نطق طبيب صيني بالحقيقة وحذّر السلطات من تطور فيروس كورونا الجديد، فاعتقلته السلطات لإنه سيتسبب في إشاعة الذعر، مما ينتج عنه خسائر اقتصادية. مات الطبيب بالفيروس، ثم لحق به آلاف الصينيين الأبرياء، يموتون الواحد تلو الآخر، ولا سبيل للسيطرة.

كان العالم حتى هذه اللحظة أكثر هدوءًا: "فقط احذروا الصينيين الذين يأكلون الخفافيش.. مقززون هم، لذلك أصابهم الوباء".

فلنمارس العنصرية ضد الصينيين وهكذا سننجو. لكن أي تدابير احترازية حقيقية لم يتم اتخاذها. لأن التدابير تعني خسائر اقتصادية، ولماذا علينا أن نتخذ التدابير؟ نحن أناس متحضرون، نحب النظافة، ولدينا نظام صحي ممتاز.

الرأسمالية تقتل.

تدّعي الصين أنها بالاستبداد تمكنت من السيطرة على الفيروس. هكذا تأتي الأخبار من الصين، ولا أحد يعلم الحقيقة.

نظام استبدادي، رأسمالي متوحش كما هو موصوف في الكتب، بلا رعاية، ولا حقوق، يكذب طوال الوقت، لا يأبه لحياة الناس لأن الناس تعدادهم كبير.

قال الصينيون: سيطرنا على الوباء وسنعود إلى الدراسة والنشاط اليومي. وقالت لي إحدى الصديقات المقيمات هناك أن المجمع السكني الذي تعيش فيه قد انتشر فيه الوباء.

لا أحد يعلم الحقيقة.

إلا أنه من الواضح أن الفيروس قد انتقل إلى رؤوساء دول وحكومات، ولم يفرق بين جنسية وأخرى، ولم يهاجم القذرين ويستنثي المتحضرين.

تحولت أوروبا، التي كانت حلم كل تعيس يعيش مقهورًا فقيرًا مغبونًا في العالم الثالث، إلى بؤرة للوباء.

الرأسمالية تقتل.

في فبراير، خرجت إيطاليا عن بكرة أبيها إلى الطرقات احتفالا بكرنفال فينيسيا. لم تحظر السلطات عليهم الخروج، ولم يكونوا ليقبلوا بالحظر إذا ما فرض. هذا مهرجان سنوي، يدر ربحًا كبيرًا على كل أعضاء المجتمع الإيطالي، خاصة الشركات الكبرى التي تتبنى الكرنفال.

النظافة لم تحفظ حياة، والنظام الصحي "الممتاز" ينهار الآن: في التاسع من مارس، وبعد مرور أقل من شهر على الاحتفال بالكرنفال، قالت السلطات الإيطالية أنه لا سعة في مستشفيات النظام الصحي الممتاز لكل هؤلاء المصابين. سوف نقوم باختيار الأفراد الذين سيتم علاجهم، وكأي حرب، سنضحي بالبعض.

وقف الأطباء والممرضون والممرضات يبكون بمرارة وهم يردون مَن هم فوق الثمانين من المرضى، ويعتذرون عن عدم قدرتهم على علاجهم.

الرأسمالية كاذبة.. وتقتل أيضًا.

"عليكم توديع أحباءكم" بكل برود قرر بوريس جونسون، رئيس وزراء بريطانيا، التضحية بالعجائز والمرضى، ولسبب مجهول، ظن أنه يمكن أن يتماثل مع وينستنون تشيرشيل الذي قال للإنجليز إبان الحرب العالمية الثانية "لا أملك لكم سوى الدم والعرق والدموع".

أثار جونسون الهلع في أرجاء الأرض قاطبة. كما أثار الغضب في نفوس الإنجليز: نحن دافعو الضرائب، عليك القيام بواجبك، تبشرنا بتوديع أحبابنا ولا ترغب في تعليق الدراسة أو اتخاذ أية تدابير.

لم يكن جونسون الوحيد الذي تأخر وتكاسل في اتخاذ التدابير والتعامل مع الأمر بجدية، لم يكن القيادة الوحيدة في أوروبا، ولم يكن المواطن الوحيد كذلك.

اعتمادًا على "التحضر، والعلم، والنظافة، والأنظمة الصحية الممتازة" وخوفًا على الخسائر الاقتصادية، وحركة التجارة التي تسمن الأغنياء وتنحت بطون الفقراء، والصناعات الملوثة التي تقتل الملايين من البشر والحيوانات، والسياحة التي تضع اعتماد المواطن في مصدر رزقه على مدى قدرته على الابتسام وخدمة القادمين من أجل تقاضي البقشيش، تأخرت أوروبا في اتخاذ التدابير، فانفجر الوضع.

الرأسمالية تقتل.

"نحن في حالة حرب" هكذا قال إيمانويل ماكرون للفرنسيين، بينما وجه وزير داخليته، كريستوف كاستانير، خطابًا غاضبًا للفرنسيين قائلا "ليس هناك أي مجد في مخالفة التعليمات، ليس هناك نجاة فردية".. تنبه متأخرًا. فاضطرت فرنسا، في ظل احتفالات الشعب الفرنسي، باللا شيء، أمام الشانزيليزيه، إلى تشديد القبضة وتعليق الأنشطة، وتحمل بعض نفقات المواطنين لإجبارهم على المكوث في منازلهم.

الرأسمالية تقتل.. ومع أول صدام تنهار قشرة التحضر.

لا أخفيكم، لقد صعقت من التصرفات الغوغائية لشعوب العالم المتحضر: هرعوا إلى المحال التجارية، وقضوا على الأخضر واليابس، وتقاتلوا على ورق التواليت، ثم خرجوا في الشوارع يحتفلون. تصرفات تنم عن هلع وانعدام عقل، هم خائفون ولذلك تصرفوا بأنانية، وهذا تصرف بدائي. ثم هم خائفون ولذلك خرجوا يحتفلون في الشوارع لتجاوز الخوف بحيلة طفولية، وهذا تصرف بدائي.

.. ونحن؟

نحن أيضًا تلكأنا في اتخاذ التدابير. قال وزير التعليم لتبرير تلؤكه في تعليق الدراسة أن هذا القرار سيضرب السياحة. نحن أيضا هرعنا على المحال التجارية وأكلنا الأخضر واليابس.

نحن أيضا نجلس على المقاهي ونتجول في الطرقات ونسخر من الكورونا وندعي أننا سنهزمه بالفسيخ والبصل، و"الدنيا حر عندنا أصلًا. وده أمريكا اللي عاملاه عشان تضرب الصين. ده فيلم. الصين اللي عاملاه عشان تسيطر على العالم، ضربة معلم. دي مؤامرة على مصر عشان تضرب اقتصادنا. الماسون عايزينا نخرج الخونة من السجون فعملوا الإشاعة دي".

لكننا في موقف شديد السوء، وشديد الخطورة، مقبلون على مستقبل أسوأ بكثير مما تواجهه إيطاليا الآن: ليس لدينا نظام صحي، لا ممتاز ولا متوسط ولا سيء حتى ينهار.

ليس لدينا علم ونظافة وتحضر، اكتشفنا زيفهم على أية حال، لنؤمن باجتيازنا الأزمة. أيضا، نحن لا نملك المكوث في المنزل: إن لم نمت بالكورونا فسنموت من الجوع.

فالرأسمالية تقتل. وهذه هي الرأسمالية: إن لم تعمل ستموت.

ليس لدى الدولة المصرية القدرة على التكفل بنفقات المواطنين وإطعامهم فترة مكوثهم بالمنزل، فالرأسمالية تقتل، وقد اختارت الرأسمالية لنا دور الخدم المقيمين في القبو.

واجهت الإنسانية حروبًا وجائحات وأوبئة وأزمات. إلا أن الطبيعة الإنسانية، مثل طبيعة كل المخلوقات بما فيها الفيروسات: لا تسقط بدون مقاومة: .We will not go down without a fight

لكننا نحارب مخلوقات لا ترى بالعين المجردة، تهددنا جميعا. إذا كنا نريد أن نجتاز تلك الأزمة فعلى الأغنياء أن يتكفلوا بالفقراء كفالة تامة حتى يتمكن الفقراء من المكوث في البيت كما هو مطلب منهم. فقد صرح وزير الداخلية الفرنسي أنه لا نجاة فردية في هذه الجائحة.

مجتمعات الرفاه تتصرف بأنانية تتسق مع طبيعة الإنسان البدائية الخام، وكأن نظام التعليم الممتاز، والحرية، والديمقراطية، والحقوق، واحترام الفرد، لم تمر في منطقة الجوار.

مجتمعات الرفاه لم تتبرع بسرير واحد لمسنين يموتون في إيطاليا بعد حياة حافلة من العمل والحب والحرب ودفع الضرائب، وحدهم، دون فرصة لتوديع ذويهم، أو احتضان أحفادهم. فهل ستتبرع لنا، نحن، سكان القبو في هذه المنطقة من العالم؟

منظمة الصحة العالمية تستقبل التبرعات من البلاد الغنية، والبلاد الغنية تواجه جائحة لم تظن يوما أنها ستهزمها، وهي تواجهها بأكثر الوسائل أنانية.

كما أن الإنسانية لم تفكر يوما في أن الأرض ستغضب من جراء انتهاكها، لم تفكر أن نظامًا صحيًا عالميًا يمكن أن ينقذ الجنس البشري. لم تفكر الإنسانية في أن السعادة والأمان سيكونان دوما بالمشاركة، لا بالاستئثار.

المجد الآن للاستبداد. هكذا تقول الصين.

إلا أننا في هذا القبو لا نملك حتى نفقات هذا الشكل من الاستبداد. يحيط بنا الفقر، والجهل، والشعوذة، والإصرار على الصلاة في المساجد والكنائس لأن "الله هو الشافي"، فلم يتطوع أحد لشفاء وإطعام وكساء هؤلاء الفقراء سوى الله، وليس لديهم باب آخر.

يشرح لهم الناس أن "بيوت الله" الآن تشكل خطرًا على حياتهم وحياة أسرهم وذويهم، لكنهم لا يفهمون، لإنهم لا يريدون أن يفهموا ذلك: "حتى بيت الله يهددني؟ أين أذهب الآن؟"

حاولنا تجاوز الخوف بالسخرية، وتبني نظريات المؤامرة، وغسل الأيدي بالكحول، وتنفيذ التعليمات، ثم تجاهل التعليمات.

لكننا خائفون.

الإنسانية الآن في حزن مرير، وضعف شديد، وخزي، وخجل، وخوف، وخيبة أمل، كل الإنسانية: الغني والفقير، حاكم ومحكوم، متحضر ومتخلف، مؤمن بدين أو قوة خارقة أو كافر بهما.

ثم تطالعنا الصحف الألمانية بخبر رغبة ترامب في شراء شركة ألمانية تعمل على تطوير لقاح مضاد للكورونا، حيث عرض على الشركة مليار دولار لاحتكار الدواء.

تموت الرأسمالية وصباعها بيلعب.