رسم لوجه يرتدي قناعًا على أحد جدران سيدني. الصورة: JAM Project- فليكر، مفتوحة المصدر

سيدني: شتاء طويل في انتظار نهاية العالم

بعد نحو ستة عقود على أزمة الصواريخ الكوبية وثلاثة عقود على أزمة احتلال الكويت، يبدو العالم وكأنه يواجه خطر شتاءٍ نووي طويل.

في الشهور اللاحقة لأغسطس/ آب 1990، بدأ الجيران في تخصيص غرفة في منازلهم من أجل تخزين المواد الغذائية والمياه المعدنية. كان الغزو العراقي للكويت يرسم صورًا كابوسية للمقيمين في دول الخليج وتحديدًا دولة الإمارات، التي هددها صدام واتهمها بالتلاعب في أسعار النفط كي تلحق الضرر بالاقتصاد العراقي، بعد أن خرج من حربه الطويلة والدامية مع إيران.

أتذكر أن أحاديث الناس في مدينة الشارقة، حيث كانت أسرتي تقيم وقتها، كانت حول ترسانة صدَّام حسين من صواريخ سكود المحملة بالرؤوس الكيماوية، والتي سوف يتم إطلاقها على مدن الخليج إذا استمرت في دعم عملية "درع الصحراء" التي تتضمن إحضار قوات دولية بقيادة أمريكية إلى المنطقة من أجل الدفاع عنها. لم تكن وسائل الإعلام قد بدأت في الحديث عن عملية عاصفة الصحراء التي تتضمن تحرير الكويت، لكنها كانت قد بدأت في الحديث عن وسائل الوقاية من الأسلحة الكيماوية والطرق الصحيحة للتعامل مع الكمامات، وكيفية سد الفراغات بين أجهزة التكييف والحيطان الداخلية للمباني، وكيفية التعامل مع انتشار الغازات الكيماوية في حال إذا كنت موجودًا في سيارتك.

كان بيتنا هو الوحيد بين كل الأصدقاء والجيران الذي لم يتبع أي نصيحة خاصة بالتعامل مع السيناريو الكيماوي. لم نشتر كمامات، ولم نخصص غرفة للمعلبات والمياه المعدنية، وحتى لم نسد الفراغات البسيطة بين أجهزة التكييف والحوائط. عندما سألت أبي كان رده ببساطة، إن كل هذه الاحتياطات لا تستطيع التعامل مع هذا السيناريو في حال حدوثه.

العكس حدث مع الأسر الأمريكية التي كانت مقيمة في ميامي بولاية فلوريدا عام 1962. وقتها اندلعت أزمة الصواريخ الكوبية وبدت المدن الأمريكية الساحلية القريبة من كوبا مهددة بالقصف النووي السوفيتي. بدأت المدارس في حملات توعية لكيفية التعامل مع خطر انطلاق الصواريخ المحملة بالرؤوس النووية نحو المدن الأمريكية، بينما بدأت الأسر في تخزين المعلبات والمياه، بل وشيَّد البعض ملاجئ في الحدائق الخلفية للمنازل.

بعد نحو ستة عقود على أزمة الصواريخ الكوبية وثلاثة عقود على أزمة احتلال الكويت، يبدو العالم وكأنه يواجه خطر شتاءٍ نووي طويل. هذه المرة لا يهرع الناس لتخزين المواد الغذائية في منطقةٍ ما مهددة بعدم صلاحية الحياة فيها، ولكن الهلع يمتد ليشمل كل المدن الكبرى في الغرب، وفي أقصى الجنوب الغربي حيث تقع أستراليا.

أكتب هذه الأسطر من سيدني، حيث جئت في زيارة لأسابيع ولكنها امتدت لشهر. هنا بدأت عدوى شراء ورق المرحاض حتى انتهى من الأسواق وأصبح سلعة نادرة الوجود. انتقلت العدوى للمدن الغربية وعلى رأسها لندن التي وصلتني أخبار متاجرها الخاوية من أصدقائي هناك، وذلك تحضيرًا لي قبل العودة إليها قريبًا، إن بقيت المطارات مفتوحة.

أين ذهب ورق المرحاض؟

في البداية كنت شاهدًا على نقص ورق المرحاض ثم اختفائه للأبد. ثم كنت شاهدًا على اختفاء كل أكياس المكرونة والأرز للأبد، وانتقل الهوس بالتخزين للحوم والدواجن، والتي اختفت بدورها مع كل أنواع المعلبات والتونة والحبوب المعلبة وعلب الصلصة والدقيق واللبن طويل الأمد. وبالطبع قبل كل هذه السلع، اختفت كل المنظفات والمطهرات والصابون. في جميع المتاجر الآن هناك حد أقصى للشراء لكل شخص يتضمن عبوة واحدة من ورق المرحاض، وعبوتين من الصابون الشخصي، وعبوة واحدة من الأرز أو المكرونة، في حال توفرها، وهو الأمر الذي يحدث في الصباح الباكر ولوقت محدود جدًا.

أحد أهم ملامح النظام الرأسمالي الحالي هو الوفرة المفرطة. في كل متجر هناك أكثر من أربعين نوعًا من المكرونة؛ أشكال مختلفة، ألوان مختلفة، مذاقات مختلفة، وبلاد منشأ لا حصر لها. في سيدني ولندن، اختفت كل هذه الأنواع وأصبح الطلب على المكرونة هائلًا، وهي التي لم يكن الإقبال عليها كبيرًا قبل الوباء بسبب مساهمتها الفعالة في زيادة الوزن. الآن أصبحت المكرونة سلعةً نادرة ولم يعد من الممكن رؤية أنواعها المختلفة على الأرفف التي كانت تنوء بوفرتها.

جزءٌ كبير من أحاديثنا المشتركة مع الأصدقاء هنا في سيدني، هو حول الأماكن التي شوهدت فيها عبوات ورق المرحاض.

منذ قليل أخبرني صديقٌ يعيش هنا في سيدني أنه وجد عدة أكياس من المكرونة في متجر قريب منه يوم الأحد الماضي، وأنه نادمٌ الآن أنه لم يشتر كمية أكبر قبل دخول الحد الأقصى للشراء حيز التنفيذ يوم الثامن عشر من هذا الشهر. جزءٌ كبير من أحاديثنا المشتركة مع الأصدقاء هنا في سيدني، هو حول الأماكن التي شوهدت فيها عبوات ورق المرحاض أو أكياس مكرونة.

إحدى محطات القطار في سيدني عصر اليوم. الصورة: أحمد زكي- المنصة

أين التموين؟

واقعنا يشبه ما قرأته عن أوضاع الناس في بيروت خلال الحرب الأهلية أو ما عاشه البريطانيون خلال الحرب العالمية الثانية، عندما كانت تصرف لكل أسرة حصة تموينية تتضمن عددًا محدودًا من السلع والمعلبات. هذا الشح الذي اختبره المصريون مراتٍ عديدة خلال الحروب أو الثورات والانتفاضات والأزمات السياسية، وفي أحيانٍ كثيرة خلال أزماتهم الاقتصادية والحقب التي كان أبناء الطبقة الوسطى يبحثون فيها عن الزيت واللحوم في المجمعات الاستهلاكية. قصص تنتمي لعصر ما قبل الهايبرماركت ومواسم الخصومات الكبيرة والاستعداد لرمضان والعيد والكريسماس.

أرسلت أستراليا أبناءها للاشتراك في حرب البوير الثانية في جنوب أفريقيا أوائل القرن العشرين، كما أرسلتهم للقتال إلى جانب القوات البريطانية والفرنسية في حملة جاليبولي خلال الحرب العالمية الأولى، وبالطبع اشتركوا في الحرب العالمية الثانية ضمن قوات الحلفاء التي انتصرت على رومل في العلمين ثم ضمن القوات التي واجهت القوات اليابانية في الجبهات المختلفة في المحيط الهادي وآسيا.

ولم تكتف أستراليا بدورها خلال الحرب العالمية، بل واستمرت لتشترك في الحرب الكورية، بل وحتى في القتال إلى جانب القوات الأمريكية في حرب فيتنام، وبالطبع في حرب الخليج 1991، وحرب أفغانستان والحرب على العراق 2003. لكن المدن الأسترالية لم تتعرض لخطر الغزو العسكري أو القصف، كما تعرضت له لندن خلال الحرب العالمية الثانية. هذه المرة يشعر الناس في سيدني أن العدو اقترب وأن نهاية العالم أصبحت وشيكة.

وسط كل هذه الأخبار عن نهاية العالم تبدو مصر وكأنها استعدت جيدًا منذ عقود لما بعد الشتاء النووي.

المواصلات خالية؛ القلة التي تخرج إلى الشوارع تحاول الابتعاد عن أي جسم متحرك. الجميع واجمون. عربات القطار مليئة بنظرات الحيرة، بينما المتاجر مليئة بنظرات الارتباك والتوتر. لا أحد يعلم متى ستعلن الحكومة حظرًا شاملًا للتجول، أو متى سوف ينزل جنود الجيش إلى الشوارع لتطبيق الحظر، والحفاظ على الأمن العام كما حدث في إيطاليا وفرنسا. شركات الطيران الأسترالية بدأت في التوقف عن الرحلات، ولا أحد يعلم متى يتم إغلاق المجال الجوي الأسترالي، خاصةً بعد أن أعلنت الحكومة عن منع دخول أي زائرين إلى أستراليا، عدا مواطنيها.

مصر مستعدة لنهاية العالم

وسط كل هذه الأخبار عن نهاية العالم تبدو مصر وكأنها استعدت جيدًا منذ عقود لما بعد الشتاء النووي؛ فلا أحد يتحدث عن خطر انهيار النظام الصحي بأكمله كما حدث في شمال إيطاليا، وكما يجري الحديث عن اقتراب حدوثه في سويسرا وبريطانيا. ولا تزال السلع الغذائية متوفرة، في حين تستعد المتاجر لموسم رمضان ونهاية العالم معًا.

يقوم النظام الرأسمالي الحالي على مبدأ الانتقال السريع والدائم للسلع والخدمات والبشر. عندما تتوقف صناعة الطيران تتوقف السياحة. عندما تتوقف السياحة يتوقف تدفق العملات الأجنبية. عندما يتوقف تدفق العملات الأجنبية يتوقف الاستيراد، وبالتبعية يقل الطلب وقد تتوقف المصانع. دائرة كبيرة وهائلة تعتمد على الحركة الدائمة بين مختلف مدن الكوكب. عندما تتوقف تلك الحركة ينهار الاقتصاد وتبدأ الأسواق المالية والبورصات في السقوط الحر. يبدأ الناس في الحديث عن الكساد العظيم وعن آثاره المحتملة على شكل حياتهم الذي كان سائدًا قبل توقف الأرض عن دورانها. تنتشر الأسئلة حول صواب التدمير المتعمد والمنهجي الذي استمر لعقود بحق قطاع الصحة العامة، والذي جعل رئيس وزراء بريطانيا يخرج للأمة كي يخبرها عن "مناعة القطيع" وعن ضرورة الاستعداد لفقدان الأحبة قريبًا.


مشاهد ملحمية من فيلم أبوكاليبسي* الطابع. نظام الحياة في الغرب والذي اعتاد عليه الناس منذ خمسينيات القرن الماضي اقترب من انهياره. لا أحد يعلم شكل الحياة التي تبحث فيها عن كيس مكرونة أو لفافة ورق المرحاض.. وفي الأثناء تبدو مصر ودول الجنوب وكأنها في كوكبٍ آخر. نسمع عنه من خلال حكايات الأهل والأصدقاء عبر الهاتف ولكن لا نستطيع السفر إليه. يخرج علينا ناصر البرنس من قلب امبابة النابض ليعلن تضامنه مع أهله وناسه بدعم مبادراتها الخيرية، وعن إغلاق مطعمه الشهير لأربعة عشر يومًا، حفاظًا على الأرواح وتطهيرًا للطاولات والكراسي. تحدثني أمي ومعها أبي عن شوالات الأرز والمكرونة التي اشتروها بسهولة من الهايبرماركت القريب من البيت، وعن تفكيرهم في طريقة لإرسال مساعدات غذائية عاجلة لي على عنوان بيتي في لندن، بينما أحدثهم أنا عن أرفف سيدني الخاوية وعن مجال القاهرة الجوي المغلق حتى آخر الشهر.

الآن وقد اقتربت الأربعين مني ولم يعد يفصلني عنها سوى أيام، يمكن أن أروي ذكرياتي عن عالم الثمانينيات وعن حكايات الحرب الأهلية اللبنانية من زملائي اللبنانيين في المدرسة، وعن كأس العالم 1990، وسقوط دموع مارادونا في المباراة النهائية أمام ألمانيا، وقبلها عن عدالة السماء التي هبطت على استاد باليرمو ومنحت مصر تعادلًا مع هولندا بالبلنتي الشهير وصاحبه المنتشر.

يمكن أن أحكي ذكرياتي أيضًا عن مفاجأة غزو القوات العراقية للكويت، وعن استعداد للناس في المدن الخليجية للتعامل مع خطر الإبادة الكيماوية، وعن المشاهد التلفزيونية الحية لسقوط بقايا صواريخ سكود على الرياض بعد ضربها بصواريخ باتريوت، وعن الصور التلفزيونية للقنابل الأمريكية التي ألقيت على بغداد، والتي كانت تذيعها قناة CNN ويصف آثارها مراسلها الأهم وقتها داخل العراق بيتر آرنيت.

الشتاء قادم

يمكن أن أكتب عن ذكرياتي مع بداية عصر الإنترنت والإيميل وبرامج المحادثة التي انقرضت. عن اليوم الذي تحطمت فيه الطائرات في مانهاتن وواشنطن. عن سنوات مبارك وألبومات عمرو دياب وفيلم الناظر الذي شاهدته في السينما بالإسكندرية خلال إجازة صيف. عن حرب 2003 وسقوط بغداد والشتاء العراقي الطويل. عن الأزمة المالية في 2008 ووصول أوباما للحكم وسنواته الثمانية. عن ليلة هروب بن علي من تونس، وعن أن مصر ليست تونس، وعن 28 يناير وكوبري قصر النيل وموقعة الجمل وما جرى في الأيام الثمانية عشر التالية. عن لحظة تسليم مبارك للسلطة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة وعن عمر سليمان والرجل الذي يقف خلفه. عن كل ما جرى بعدها وصولًا لنهاية العالم التي اقتربت، والتي تصفها الجملة الأشهر في مسلسل The Game of Thrones وهي: The Winter is Coming.. الشتاء قادم.

يمكن أن أحكي وأن أكتب عن ذكريات جيلي الذي أصبح مخضرمًا، لكني سأكتفي بمحاولة الانتهاء من حلقات المسلسلات التلفزيونية التي بدأتها قبل بداية الوباء، بينما سأحاول تجاهل مشاهد الخوف والهلع من انتهاء الحياة كما نعرفها.


اقرأ أيضًا: كورونا: تجارب وأفكار حول التضامن والمسؤولية الاجتماعية


* أبوكاليبسي: وصف مشتق من كلمة apocalypse والتي تعني: 1. نهاية العالم بالدمار الشامل والكامل كما تم وصفه في سفر الرؤيا في العهد الجديد. 2. حدث يتضمن تدميرًا أو خرابًا على نطاق كارثي وواسع.