تجمع عدد من المواطنين أمام المعامل المركزية لوزارة الصحة يوم 8 مارس. الصورة: أحمد حسين

"الكورونا نزلت الرحاب": لماذا تنتشر الشائعات وماذا تفعل الحكومة؟

بالفعل المكالمات كانت لوزارة الصحة وليست لخدمة العملاء بشركة اتصالات، أما إن أردت أن تحسب تكاليف المكالمة فعليك التجربة بنفسك.

"الكورونا نزلت الرحاب والكيلو4,5" باغتني سائق أوبر بهذه الجملة فور بدء الرحلة، حمدت الله أن التطبيق لا يُظهر مهنة العميل، وبعد لحظات صمت سألته عما تعني "الكورونا نزلت"، فأجابني بأنهم مسكوا 3 مصابين في الرحاب ومن وقتها شقيقته وأولادها لا يغادروا المنزل.

"هانت يا دكتور، الصيف قرّب وهنخلص من الموضوع ده"، بصيغة الرجاء قالها لي صديقي تاجر الخضروات والحاصل على بكالوريوس العلوم، أما زميلتي طبيبة الأمراض الجلدية فتؤكد أن الأطفال لا يُصابوا بفيروس كورونا.

في مصر تُحاصر بكم هائل من المعلومات المختلفة، وبالأخص الطبية، من مصادر عديدة لطبقات اجتماعية وثقافية مختلفة، إذا قررت أن تهجرها على مواقع التواصل الاجتماعي فستداهمك في جهة عملك ومحل إقامتك وأثناء ارتيادك وسائل المواصلات، يدفعونك دفعًا لمشاركتهم ليس فقط لتبادل المعلومات، بل أنت مطالب أن تنقحها وتضيف أو تصحح بعضها، حتى لوكان الموضوع عن الطقس في كوكب المريخ وأنت معلم لغة عربية.

عندما يتعلق الأمر بالصحة، فكما تعلم هنا في مصر مائة مليون طبيب إلا واحد مريض هو أنت، حتى لوكنت تمتهن الطب، فهم يستقوا معلوماتهم من صفحات فيسبوك وجوجل وأحيانًا كتيبات "طبيبك الخاص" الغنية بالتجارب الحياتية، (اسأل مجرّب).

بينما طغت على الكثيرين نظرية المؤامرة، وانتشرت حالة من الرعب الهائل والفزع في المجتمع المصري بأضعاف انتشار الفيروس، دُفعت وسط الكم الهائل من الشائعات والمعلومات المضللة عن كورونا للتحدث عنه، ليس فقط لأن مسؤولي المنصة يتحروا توثيق كل معلومة في المقال، ولكن لكوني طبيب غير متخصص في فروع الطب التي تناظرها، وهذا ما ضاعف حرصي في تحري صحة المعلومات والبحث عن أكثر من مصدر موثوق به.

نبذة بسيطة وصحيحة عن المرض

بدأت المعرفة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) عندما أخطرت الصين (مصدر انتشاره) في 31 ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي رسميًا منظمة الصحة العالمية، التي عرَّفت المرض مؤخرًا بالجائحة pandemic ويعني انتشار المرض بقوة في دول مختلفة بقارات ومناطق جغرافية مختلفة، وعرفته المنظمة سابقًا بأنه أحد الأمراض المعدية بسبب فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) الذي يصيب الإنسان للمرة الأولى، وينتقل بين الأشخاص عن طريق الرذاذ عند العطس أو السعال، وهذا الرذاذ أثقل من أن ينتقل في الهواء لأكثر من متر واحد تقريبًا ويستقر على الأسطح، كما وضحت طرق الوقاية بعدة وسائل منها فيديو توضيحي بسيط قام أحدهم بترجمته للعربية، ونقلته ضمن من نقل صفحة مديرية الصحة بالأقصر.


نسبة الوفاة نتيجة المرض تقريبًا من 3 إلى 4% من المصابين، بلغ عدد حالات الإصابة المؤكدة في العالم 155174، توفي منهم 5834 شخصًا وتم شفاء 67003 مريضًا، وذلك بحسب أحدث إحصائية قرابة الواحدة صباح الأحد 15 مارس/ أذار لتليفزيون سنغافورة، خامس القنوات الإخبارية انتشارًا في العالم.

الرسالة وصلت غلط

اختارتها منظمة الصحة العالمية على رأس فريق مكون من 6 أعضاء لتقديم المشورة والدعم الفني والسياسي لمواجهة فيروس كورونا، وهي أستاذة الطب الوقائي والصحة العامة بطب قصر العيني، إضافة لكونها وزيرة صحة سابقة، وهي الدكتورة مها الرباط، التي اتصلت بها لوضع حد فاصل بين الحقائق والشائعات.

مُلخص ما قالته لي إن "كل الي بتقوله منظمة الصحة العالمية مش علشان تُسبب هلع أوخوف، لا، ده علشان الحكومات تستعد والناس تعرف ازاي تتصرف، والحكومات تعرف ازاي تتصرف، يعني ده للاستعداد، وعاوزين استعداد دقيق ومحكوم وتكون خطة وإجراءات مُعدة ومنضبطة، إنما مش علشان نخاف ونبقى مرعوبين كده محدش هيعرف يتصرف، الرسالة كده يا أحمد يبقى وصلت الناس غلط.. ولازم كل الجهات الحكومية تعمل بتنسيق وتنظيم مع بعضها، ومهم جدًا الرسالة توصل لكبار السن مفيش داعي يخرجوا ولا يروحوا للأماكن التي فيها تجمعات، كويس إن وزارة الصحة خصصت مستشفيات متعددة لاستقبال الحالات وللعزل".

وعندما عرضت عليها استعدادي لمعاونتها في تنظيم ندوات توعية ومواد اعلامية للمواطنين والفريق الطبي، أجابت بترحاب "طبعًا وده دوري، أنا بس لسه راجعة من جنيف منذ أيام ومنتظرة يصل خطاب ترشيح الفريق من منظمة الصحة للحكومات ومنها مصر، وهنبدأ خطة عمل". عندما ننظر لكلمات الدكتورة مها الرباط كمؤشر لقياس انتشار أوانحسار المرض في الدول المختلفة، سنكتشف الحكومات والشعوب التي استوعبت الرسالة عن غيرها.

شائعات صناعة مصرية

نشرت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، وكذلك الكلية الملكية البريطانية لطب الأطفال وصحة الطفل، أن الأطفال أقل إصابةً من البالغين ولكنهم بالفعل يصابوا، وسردت الأعراض والإجراءات الوقائية والعلاجية، كما أكدت منظمة الصحة العالمية أن فيروس كورونا يعيش في المناخ الحار كما في الأجواء الرطبة، هكذا ترى أن المعلومات التي أهداني إياها الغير وأحطتك بها في مقدمة المقال جميعها تنافي الحقائق.

خطأ يتكرر دون مبرر

أواخر يناير/ كانون الثاني الماضي أعلنت وزارة الصحة عن حاجتها لأطباء للعمل بمستشفى النجيلة بمطروح لمدة 14 يومًا مقابل 20 ألف جنيه وسيسافروا بالطائرة، وعندما وصلوا فوجئوا أن المستشفى تم تخصيصه لمرضى كورونا، كان اعتراض الأطباء وقتها على عدم تدريبهم وإحاطتهم بطبيعة العمل.

في أوائل مارس الجاري تم اكتشاف 33 إصابة إيجابية على باخرة سياحية بالأقصر، وتقرر سفرهم إلى مطروح برفقة طبيب، وقال طبيب جراحة المسالك البولية بالأقصر ، بكري عبد الستار، عند اتصالي به "أنا وصلت امبارح وموجود بالحجر الصحي بمطروح مع الحالات الإيجابية التي أصبحت سلبية وعددها 11، كل حاجة هنا مُجهزة وكل احتياجات المرضى والفريق الطبي متوفرة، أنا مش بطل، الأطباء الأبطال في الأقصر وغيرها بيبذلوا مجهود خرافي، كل الحكاية إني وجدت زملائي الأطباء لديهم ظروف اجتماعية وصحية فلم أتردد في إعلان تطوعي للسفر وحتى لم أخطر أسرتي، هنا في مطروح دربوني على متابعة الحالات وأحضروا لي ملابس واقية ونلقى كل رعاية واهتمام، حقيقي أن هذا الفيروس مشكلته في سرعة الانتشار، لكن الرعب والفزع والشائعات أكثر انتشارًا وخطورة، تخيل يا أحمد إن فيه أسر هاجرت من الأقصر رعبًا". عاد بكري أول أمس وسط احتفاء زملاءه وأهله.

المرض هو وباء لا تُسئل عنه أية حكومة وإنما عن الاحتياطات والاجراءات التي تأخذها.

منذ يومين هاتفني أحد قيادات وزارة الصحة "يا أحمد إحنا محتاجين أطباء رعاية وأطفال وحميات للعمل 14 يوم في البحر الأحمر مقابل 20 ألف جنيه، بنبعت على الواتساب للمديريات وكل واحد بيكلم الي يثق فيه، الكلام لك فيه مستشفى في القصير ستخصص للعزل إضافة إلى الإسماعيلية ومطروح"، هذا ملخص طلبه وإجاباته على تساؤلاتي وكان ردي "يا دكتور هي ليه وزارة الصحة بتضع نفسها موضع هجوم لأشياء ليست مسؤولة عنها، المرض هو وباء لا تُسئل عنه أية حكومة وإنما عن الاحتياطات والاجراءات التي تأخذها، كثير من الأطباء سيرغبون وطواعية، لكن لماذا المعلومات المنقوصة ولماذا لا يتم الإعلان عن كل التفاصيل على موقع الوزارة؟ أنا شخصيًا مستعد للذهاب دون مقابل لو هتحتاجوا تخصصي، على كل حال سأعلن للأطباء ولكن بجميع التفاصيل". هل رصدت في تلك الفقرة أحد أسباب انتشار الشائعات؟

نماذج آسيوية

عقب زيارته الأولى، منذ بدء الأزمة، لموطن الوباء في مقاطعة هوبي، أعلن الرئيس الصيني في 10 مارس الجاري أنه تمت السيطرة عمليًا على تفشي فيروس كورونا وبعدها بيومين أعلنت لجنة الصحة الوطنية بالصين أن البلاد تجاوزت ذروة تفشي وباء كورونا، هذا بعد أن تداركت الصين سريعًا أخطائها في بداية الأزمة، فأبلغت منظمة الصحة العالمية، وأعلنت بشفافية عدد الحالات المصابة وأغلقت أسواق الماكولات البحرية وبيع الحيوانات الحية في ووهان، وأغلقت ديزني لاند في شنغهاي وهونج كونج، وألغت احتفالات السنة الصينية الجديدة، وعزلت مدينة ووهان بشكل كامل عن سائر الصين، وأنشات مستشفى كاملًا بالمدينة في عشرة أيام فقط، وتم تشكيل"لجنة مركزية" لمجابهة المرض، وأيضًا استخدمت التكنولوجيا، عن طريق تعامل الروبوت مع المرضى والفريق الطبي لتقليل انتشار الإصابة، وتدشين شبكة معلومات دقيقة للمرضى والمخالطين لهم.

وبحسب مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة الذي رصد تجارب آسيوية ناجحة للحد من انتشار كورونا، فإن سنغافورة التي لا يتجاوز تعدادها ستة ملايين نسمة، وتستقبل سنويًا أكثر من 3.5 مليون زائر صيني، اتخذت قرارات سريعة فور إعلان الصين عن الوباء، فأوقفت جميع الرحلات الجوية مع الصين، وألغت الأنشطة والفاعليات داخل المدارس والبطولات الرياضية، واتخذت من الشفافية منهجًا في التعامل مع الأزمة بمصارحة الشعب بكل خطوة ومطالبتهم بالإتحاد والحزم، وجرّمت انتهاك قيود السفر ونشر المعلومات المضللة والشائعات الكاذبة، وخصصت قرابة الثلاثة مليار دولار لدعم الاقتصاد القومي، ذلك بالطبع إلى جانب الإجراءات الصحية العلاجية منها والوقائية.

لم يختلف الأمر كثيرًا في تعامل تايوان وفيتنام مع الأزمة، الأمر الذي وصل بالدول الثلاث لنجاحات أشاد بها المجتمع الدولي، كان من أهم النجاحات محدودية حالات الإصابة وثقة شعوبها في حكوماتهم. استمع بإنصات إلى كلمات وزير الصحة السنغافوري في البرلمان.


يصف المشكلة بموضوعية حتى لا تصل رسالة فزع ورعب وفي المقابل لا يهّون من طرق الوقاية حتى لا يستهين بها المواطن، هل لاحظت ذلك في الرسالة غير المباشرة عندما حكى موقف يبدو مضحكًا، أن أحدهم نكزه في اجتماع مجلس الوزراء لينبهه عندما حكَّ عينيه بيده.

وتهاون حكومات أخرى

في المقابل هناك العديد من الدول تأخرت أو تهاونت في التعامل مع الوباء، فكما كتب الدكتور محمد أبو الغار، رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي السابق، أن "إيطاليا وعدد من الدول الأوربية لم تحاصر المرض بجدية منذ البداية، وحرصًا على حريات التنقل وغيرها لم تقم بأخذ الاحتياطات الكافية فأصبحت هناك كارثة، على الرغم من وجود شعب مثقف وواعٍ ووجود نظام طبي متقدم يشمل الشعب كله مجانًا، أما ايران فالكثير من شعبها محدود التعليم والثقافة مع وجود حكومة محدودة الكفاءة ونظام قمعي غير ديمقراطي، فالنتيجة كارثة من الصعب حلها في وجود منظومة طبية ضعيفة".

وفي تقرير BBC عربي نجد أن كثير من الدول مثل أمريكا وفرنسا وهولندا وايرلندا والفلبين والبرتغال علقت جميع الأنشطة الرياضية وأغلقت المدارس والمتاحف، وكذلك فعلت النرويج بل وأخضعت ملكها وملكتها وأعضاء من الحكومة للحجر الصحي المنزلي في تدليلٍ على خضوع الجميع للاجراءات والقانون، وأعلن ترامب خضوعه لفحص كورونا وتم اعلان النتيجة أنه خال من الفيروس

وزارة الصحة المصرية.. ما لها وما عليها

الأمر كان أخطر وأكبر أن تتحمله وزارة الصحة بمفردها حتى في بداية الأزمة، إلا أنه وحتى تاريخه، نجحت في تحديد مستشفى لاستقبال الحالات المشتبه بها في كل محافظة، وخصصت ثلاث للعزل والحجر الصحي بدأت في مطروح ثم الاسماعيلية وحاليًا تُجهز الثالثة بالقصير في محافظة البحر الأحمر، ووفرت كامل المستلزمات والاحتياجات في مستشفيات العزل وأماكن الحَجْر، أيضًا تواصلت مع منظمة الصحة العالمية وتُصدر منشورات دورية للفرق الصحية وأخرى للجمهور، وكانت زيارة وزيرة الصحة للصين إضافة لها لا عليها.

في المقابل تُؤخذ على وزارة الصحة أخطاء عديدة، بدأت بعدم الشفافية منذ البداية، وبالأخص مع الفريق الطبي كما ذكرت، الأمر الذي جعل الأخبار المنقولة عنها مصدر شك من الجمهور فانفض عنها وتداول الشائعات، ومركزية إجراء فحوصات فيروس كورونا (PCR) بالمعامل المركزية بالقاهرة، وعدم توفيره في المستشفيات المخصصة لاحتجاز الحالات المشتبه بها في المحافظات أدى إلى إنهاك تلك المستشفيات والعاملين بها، والمزيد من ذعر الأهالي إلى حين ورود نتيجة التحليل من القاهرة.

أما القرار الكارثي والذي يجب محاسبة المسؤول عنه، فهو دعوة المسافرين للسعودية التوجه لإجراء التحاليل بالمعامل المركزية يوم الأحد 8 مارس، والذي لم أكن لأصدق توافد عشرات الالآف لولا مشاهدتي وتوثيقي لهذا التجمع الكارثي بنفسي، والمفترض أن الحكومات المختلفة تكافح وتجرِّم مثل تلك التجمعات لمنع انتشار الفيروس.

أما الأخطر والذي يهدم كل مجهودات الوزارة الإيجابية هو استمرار آلة البيروقراطية وأصحابها خلال إدارة تلك الأزمة، منشورات توعوية وإرشادية صادرة عن الوزارة وبالطبع بُذل مجهود في اعدادها نتلقفها فقط في الجروبات المتخصصة أومن زملائنا بالطب الوقائي، لا تعتني إدارة الاعلام أو التثقيف الصحي بالوزارة بنشرها للجمهور، في مقابل مئات المعلومات المضللة تسري كالهشيم بين المواطنين تثير الفزع وتعظم الشك في بيانات الحكومة، المحزن أن يكون تواصل الوزارة مع الجمهور عن طريق صفحة على فيسبوك متابعوها حوالي 150 ألفًا، في حين عدد مستخدمي الفيسبوك من المصريين يتجاوز الـ40 مليونًا.

لا تقل معاناة الصحفيين والإعلاميين عن الجمهور فهم دائمي الشكوى من تجاهل المتحدث الرسمي للوزارة الرد على استفسارتهم. المثل الأكثر استفزازًا هو الخط الساخن 105 الذي أعلنته الوزارة للاستعلام عن كورونا، والذي عرفته مصادفة من صفحة الوزارة، حاولت الاتصال ثلاث مرات فشلت جميعها، انقطع الخط في إحداها بعد أكثر من 11 دقيقة، والأخريتان بمتوسط خمس دقائق، ويتخلل مدة الانتظار رسالة مسجلة كل 30 ثانية "يسعدنا تلقي مكالمتكم، جميع مندوبينا مشغولين الآن بالرد على عملاء آخرين، يرجى الانتظار قليلًا".


أما المكالمة الرابعة الناجحة فتلقيت الرد بعد 12 دقيقة، وكانت مدة أخذ بياناتي والاستفسار الحقيقي عن حالة تخصني والرد على الاستفسار هي دقيقتان و37 ثانية، ولم يكن الرد شافيًا. بالفعل المكالمات كانت لوزارة الصحة وليست لخدمة العملاء بشركة اتصالات، أما إن أردت أن تحسب تكاليف المكالمة فعليك التجربة بنفسك.

متطوعون سبقوا وزارة الصحة

في ظل انتشار الشائعات والمعلومات المغلوطة وضعف الجهاز الإعلامي والتثقيفي بوزارة الصحة والحكومة، رأى متطوعون من أطباء ومنظمات أن يبادروا بمحاولة توعية المواطنين، وقدم الأكثر منهم موادًا جافة بلغات صعبة، واشترك الجميع في محدودية وصولهم لقدر كافٍ من الجمهور، لكن يجب الإشادة بهم وبالأخص نقابة الأطباء التي كانت أول من بادر بعقد ورشة عمل للمتخصصين في 10 فبراير / شباط الماضي، ولفت انتباهي سهولة اللغة وتبسيط المعلومة التي خاطب بها أستاذ مساعد جراحة الصدر بطب أسيوط، الدكتور حسين الخياط المواطنين، وتذكرت معها كلمات وزير الصحة السنغافوري.


الشعب يطلب.. والحكومة تستجيب

مطالبات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي ومثلها في مناقشات العامة والمهتمين، أخبرني بعض أعضاء مجالس نقابات الأطباء بعزمهم على مطالبتهم رسميًا للحكومة باغلاق المدارس والجامعات، وأضاف آخر أنه لابد بجانب ذلك إغلاق إجباري لجميع أشكال التجمعات الأخرى، بعدها بساعات قليلة صدرت توجيهات الرئيس السيسي بتعليق الدراسة لمدة أسبوعين، وكذلك تخصيص 100 مليار جنيه لتمويل الخطة الشاملة لمواجهة كورونا.

أعقب ذلك تصريحات رئيس الوزراء عن ظهور أكثر من بؤرة للفيروس في مصر وعن قراره أيضًا بغلق كافة المراكز التعليمية خارج المدارس، وكذلك منع التجمعات والأنشطة الرياضية وتعقيم جميع المنشأت الحكومية، كما قرر وزير الأوقاف وقف استخدام دور المناسبات في المساجد لتجمعات العزاء وعقد القران، وكذا غلق الأضرحة أمام الزائرين؛ قرارات يجب الإشادة بها وإن تأخرت قليلًا، وبالفعل بدأ تنفيذها، فعلمت أن وزارة الداخلية أغلقت العديد من المراكز التعليمية الخاصة التي لم تمتثل للقرار، وكذا وزارة الشباب والرياضة أصدرت تعليماتها لمراكز الصحة الجسمانية (الجيم) بتعليق أنشطتها.

وربما تُسطر ملحمة

تبقى الكثير للوصول إلى الأعظم، أن تُنحَّى أية اعتبارات اقتصادية أو سياسية قاصرة، أقول قاصرة لأن النظر إلى الخسائر الاقتصادية والسياسية القريبة التي تقدم التهاون في القرارات سيجلب الانهيار التام على المدى الأبعد، البداية أن تشكل الحكومة "لجنة مركزية" من جميع الجهات المعنية (الصحة، الإعلام، الشرطة، التعليم، الشباب والرياضة، المجتمع المدني، منظمة الصحة العالمية، التضامن الاجتماعي) يتم اختيار أعضائها بناءً على الكفاءة والمهنية فقط لا غير، يترأسها رئيس الوزراء لسريان قرارتها، وتضع خطة قابلة للتنفيذ، واضعة في اعتبارها تجارب الدول الناجحة في إدارة الأزمة، وكذلك الشفافية مع المجتمع في طرح كل الحقائق والمعلومات، وتفعيل جهاز إعلامي قوي يكون هو المصدر الوحيد للإدلاء بالمعلومات وتوعية المواطنين واستخدام كل وسائل التواصل.


اقرأ أيضًا: كيف نهون على أولادنا التعليم المنزلي والعزل في البيت؟

لذلك، وفي المقابل تجريم نشر معلومات دون مصدر موثوق به يدل على صحتها، ولابد أيضًا من تعليق كل فاعليات التجمعات في المناسبات سواء الأفراح بالصالات والنوادي أو سرادقات العزاء، وكذلك دور السينما والمسارح، أيضًا لابد أن يُنظر في التجمعات داخل السجون على الأقل دراسة الإفراج عن المحبوسين على ذمة التحقيق بضمانات أخرى، والدراسة السريعة لإمكانية تناوب العاملين بالهيكل الإداري للدولة والمؤسسات الخاصة على أيام الأسبوع، لتخفيف حدة الزحام بالمواصلات العامة والمصالح، وكذا تفعيل اللامركزية لتقليل الانتقالات بين المحافظات.

وواجبنا كمواطنين الالتزام وإعادة الثقة والتوقف عن تداول معلومات غير موثوق بها ومتابعة التزام المخالفين، ربما يجتمع الشعب والحكومة على هدف قومي وإن كان الخروج من أزمة وباء، وربما تسطر الروايات لمصر ملحمة.