تصميم: يوسف أيمن- المنصة

زكي رستم: أكثر من مجرد شرير

لم يُنصب زكي رستم رائدًا لمدرسة الاندماج من فراغ، بل لقدرته على تقمص الأدوار التي يؤديها بأسلوب خاص به.

أهوى مشاهدة الأفلام منذ الصغر. كان بطلي الأول، وما زال، هو محمود عبد العزيز ويوازيه في أدوار الشر عادل أدهم، الذي انفرد بتقديم خلطة فنية يمزج فيها الشر ببعض الكوميديا حتى تصورت أنني لن أحب فنانًا يقدم أدوار الشر بطريقة أخرى، إلى أن كبرت أكثر، وشاهدت أفلامًا أكثر، وعرفت زكي رستم.

عندما كبرت امتد اهتمامي السينمائي إلى أفلام الأبيض والأسود، واستهوت ذائقتي أدوار الشر فيها والتي تنوعت بين محمود المليجي وتوفيق الدقن واستيفان روستي وصلاح منصور، ولكن بقي زكي رستم في مكان آخر.

يقدم زكي رستم أدوار الشر كما يجب أن تكون، ستعي مع بداية الفيلم أنه "شرير القصة"، قد يبدو هذا أمرًا عاديًا إلى أن تجبرك حرفيته على إدراك أن الأمر ليس عاديًا على الإطلاق. ربما لهذا السبب لم أعِ قدر موهبته مبكرًا.

لم يلجأ رستم عند خلق شخصيته في الفيلم إلى إضفاء طابع كوميدي خفيف على أدائه ليحبه الجمهور مثلما كان يفعل الدقن أو روستي مثلًا، وإن ظهر ذلك فلا يكون مقصودًا بذاته بل مجرد لمحة تظهر حسبما يقتضي الموقف وتحتمل الشخصية.

عندما وعيت ذلك ازداد اهتمامي بزكي رستم، وعندما التحقت بفريق التمثيل في الكلية ثم درست النقد السينمائي تفتحت مداركي أكثر، الأمر لا يتعلق بممثل برع في تقديم أدوار الشر بطريقة مميزة، بل أكبر من ذلك بكثير. شاهدت أدواره بتنوعها المذهل، وقرأت عنه أكثر لأعرف أنه نال شهرة عالمية أيضًا، إذ اختارته مجلة باري ماتش ضمن قائمة تضم أفضل عشرة ممثلين في العالم، واعتبروه رائد مدرسة الاندماج.

من السرايا إلى المسرح

كان محرم بك رستم في النصف الثاني القرن التاسع عشر سياسيًا بارزًا مقربًا من الخديوي إسماعيل، وعضوًا في الحزب الوطني وصديقًا للزعيم مصطفى كامل، والأهم، أنه والد الطفل زكي رستم.

ولد زكي يوم 5 مارس 1903 في قصر عائلته الأرستقراطية بحي الحلمية الذي كان وقتها واحدًا من أرقى أحياء القاهرة، وعاش حياة كرسها كلها للفن حتى وفاته المنية 1972. بدأ حبه للفن عندما ذهب طفلًا مع أسرته لمشاهدة عرض أوديب ملكًا والذي كان تقدمه فرقة چورچ أبيض، وعندما عاد للبيت أخذ يقلد ممثلي العرض من شدة إعجابه به، شعرت أسرته بذلك وبدأت تحاول صرفه عن هوايته الجديدة تلك.


في ذلك الزمان لم يكن مقبولًا أن يصبح أبناء العائلات العريقة "مشخصاتية"، حيث سادت تلك النظرة الدونية للفن والمشتغلين به من قبل الطبقة الأرستقراطية والطموحين من أبناء الطبقة الوسطى للحاق بهم، فكان الفن بالنسبة إليهم وسيلة للمتعة والتسلية ليس إلا، يشاهدون العروض في المسارح ودور السينما لكن لا يندمجون في هذا العالم ولا يصبحون جزءًا منه.

لعل هذه النظرة الدونية للفن باقية إلى الآن وإن اختلفت أسبابها ودوافعها، فبينما كانت دوافعها قديمًا اجتماعية أصبح رفضها اليوم مستندًا لأسباب دينية حيث تسود تساؤلات عن حرمانية الفن من تمثيل وغناء، وهو ما عانيت منه مع بعض أصدقائي عندما التحقت بفرقة التمثيل في الكلية.

نال زكي، الذي توفي والده وهو طفل، شهادة البكالوريا، ولكنه رفض استكمال تعليمه الجامعي لتحقيق أمنية والده بأن يلتحق بكلية الحقوق، واختار هواية التمثيل.

بعد وفاة والده، تكفل به الأديب مصطفى بك نجيب والد الفنان سليمان نجيب والذي كان صديقًا للأسرة. عرف عن مصطفى نجيب اهتمامه بالفنون والمسرح فحرص على تعليم وتثقيف ابنه بشكل جيد. ورغم ذلك كانت والدة سليمان نجيب ترفض عمل ابنها في السينما لذا لم يشارك في أي أعمال سينمائية إلا بعد وفاتها. كان سليمان صديق زكي رستم الوحيد من الوسط الفني، عرفه على الفنان عبد الوارث عسر الذي قدمه إلى إحدى فرق الهواة المسرحية ثم انضم لفرقة چورچ أبيض وأصبح عضوًا بها.

هنا، خيرته والدته بين الفن أو الالتحاق بكلية الحقوق، وعندما اختار استكمال طريقه في الفن طردته أمه من السرايا لأن سلوكه هذا سيؤثر على سمعة العائلة كما أنه يقدم "مثالًا سيئًا" لإخوته، لينتقل زكي للعيش في إحدى شقق عمارة يعقوبيان وظل فيها طيلة حياته وحيدًا حسبما قالت المذيعة والإعلامية ليلى رستم ابنة أخيه في حوار مع الإعلامي مفيد فوزي.


لم يكن زكي رستم الفنان الوحيد الذي عانى مع أسرته من رفض عمله في الفن حيث مر بذلك يوسف وهبي، والفنانة سناء جميل التي اضطرت أن تهجر أسرتها لتعمل في المسرح.

جاءت الانطلاقة الحقيقية لزكي رستم عام 1924 مع فرقة چورچ أبيض التي تأسست بناءً على طلب سعد زغلول وزير المعارف آنذاك، وقدمت ثلاث مسرحيات عالمية هي أوديب ملكًا لسوفوكليس، ولويس الحادي عشر لكازمير دي لارفني، وعطيل لشكسبير، ثم أخذت الفرقة تمثل مسرحيات عربية. وكان من بين زملاء رستم في الفرقة سليمان نجيب ودولت أبيض وعبدالفتاح القصري. بعد ذلك انتقل رستم إلى فرقة رمسيس نجيب، ومنها إلى فرقة اتحاد الممثلين عام 1934.

محطات سينمائية

كان عقد الثلاثينيات عقد انطلاق السينما المصرية. بدأ عام 1930 بإنتاج الفيلم الصامت زينب للمخرج محمد كريم والذي اختار زكي رستم ليشارك في بطولة الفيلم أمام بهيجة حافظ. لاحقًا وبعد ثلاث سنوات شارك رستم في أول أفلام محمد عبدالوهاب الوردة البيضاء للمخرج نفسه.

بعدها انطلق زكي رستم في أداء أدوار متميزة ومتنوعة خلال مسيرته أبرزت موهبته المتفجرة، خاصة في محطات فنية بعينها لا تمنحي بسهولة من الذاكرة.

من هذه المحطات التي لا تنسى دوره في فيلم أين عمري (1956) من بطولة ماجدة وإخراج أحمد ضياء الدين، حيث قدم دور زوج طاعن في السن، غيور ومتسلط، لفتاة مازالت في ريعان شبابها، لا يُخضعها له إلا بالقوة والقسوة. كنت أكره هذا الدور بشدة وأتعاطف كثيرًا مع ماجدة وأتفاعل معها. طيلة مشاهدتي للفيلم كنت أفكر كيف ستتخلص من هذا الرجل؟ وأتمنى أن تنجح بالفعل في النجاة من العيش معه.

قدم رستم الدور بخبرة كبيرة أبرزت أهم ملامح موهبته، فهو يعرف جيدًا متى يقطع جملته، وعند أي كلمة يتوقف ليعطيها حقها من الاستماع والتبين.

أما في فيلم امرأة على الطريق (1958) لعز الدين ذو الفقار، اصطدمت بدور الأب ذي المشاعر المزدوجة تجاه ولديه، إذ يحب ابنه الأصغر من زوجته الثانية ويبغض الابن الأكبر من الزوجة الأولى. وفي كل مشهد يجمع الولدان بأبيهما، تجتمع المشاعر المتضاربة؛ الحب لابنه الأصغر في مقابل القسوة تجاه الآخر، فتتمثل لديه القوة من قلب الضعف. لم تكن مشاعره السلبية نحو ابنه الأكبر مدفوعة بالشر المطلق بل بالغضب الناجم عن الفهم الخاطئ للأمور. لم يؤدٍّ رستم في أي مشهد من مشاهد الفيلم بشعور أحادي، بل دومًا كانت المشاعر متضاربة متناقضة تفصح عنها تعابير وجهه بأداء غير عادي.

تتكون أداءات زكي رستم العظيمة من امتزاج لسانه الهادئ الذي يعطي كل كلمة حقها، مع تحكم شديد في انفعالات الملامح. ورغم ذلك لن تشعر كمشاهد بالملل، وهو ما يتجلى مثلًا في فيلم نهر الحب (1960) لعز الدين ذو الفقار أيضًا، والذي قدم فيه رستم دوًا من أعظم أدواره، الوزير الأرستقراطي المتزوج من فتاة تصغره كثيرًا (فاتن حمامة).

أدى رستم الدور بحضورٍ طاغٍ في كل مشاهده، لا يقع أداءه الهادئ بالإيقاع أبدًا بل يعلو به، حتى أصبح ذلك الدور من العلامات المميزة في تاريخ السينما المصرية.

ملامح رستم الحادة هذه لم تمنعه من أداء دور الموظف الفقير في أنا وبناتي (1961)، فقدم شخصية رجل نراه فيما بيننا كل يوم بكل ما يطرأ عليه من تقلبات، فلم تكن الشخصية أحادية البناء أبدًا، فهو الموظف الذي تعثرت أحواله، انحدرت ظروفه المادية، وتعرضت ابنته للاعتداء، فتولدت لديه مشاعر القهر والرغبة الانتقام، مع الضعف وقلة حيلة، وقد استطاع نقلها جميعًا للمشاهد دون مبالغة أو ابتذال.

كذلك لم توقفه ملامحه عن أداء دور الباشا الطيب المحب لابنته وحفيدته في فيلم ياسمين (1950). يتمتع الباشا بالطيبة والحنان وخفة الظل، فأقارن بين هذا الدور ودور الباشا الارستقراطي في نهر الحب، وكأنهما أخوان من بيت أرستقراطي، ولكن أحدهما غليظ الطباع، قاسي القلب، لديه طاقة شر مرعبة، والآخر رفيع الأخلاق. وفي النقيضين كان زكي رستم مقنعًا.

على هذا النحو يمكن الإشارة أيضًا لدور متعهد الأنفار في فيلم الحرام (1965)، الناظر الذي تعتمر نفسه بأخلاق الفلاحين التي تدري جيدًا معنى العِرض والستر، ورغم ظهوره في مشاهد قليلة في بداية ونهاية الفيلم فقط لكنها كانت مشاهد هامة سجل فيها حضورًا لافتًا مهمًا، بالنسبة للفيلم في المقام الأول وأيضًا في مسيرته هو كممثل، استطاع بعد سنوات طويلة كان خلالها "شرير الفيلم" أن يؤكد قدرته على التنويع أكثر في الأدوار التي يؤديها.

ويظل دوره في فيلم رصيف نمرة خمسة (1956) لنيازي مصطفى واحدًا من أكثر الأدوار شهرة وخاصة جملته الشهيرة التي ما زالت الألسنة تتداولها إلى اليوم؛ "روح يا شيخ إلهي يعمر بيتك".

فرغم تنوّع وتعدد أدوار الشر التي أداها رستم، فإنك لن تشعر أبدًا أنه يجسد الشر المطلق بل الشر المعقد الناجم عن ثقافة الشخصية التي يؤديها، أو اختلاط مشاعرها ودوافعها، مثل دور المعلم تاجر المخدرات في رصيف نمرة خمسة الذي يحاول القضاء على خميس (فريد شوقي) قبل أن يكشف ستره، ويعرف أنه رئيس العصابة، وقاتل زوجته.

الانغماس الكامل

رغم أن زكي رستم لم يدرس التمثيل لكنه امتلك "فطرة سينمائية مثقفة" حسبما قال الفنان الراحل نور الشريف، أثناء تدريسه ورشة تمثيل في الكويت استشهد فيها بأحد مشاهد زكي رستم من فيلم الفتوة. يعتقد نور الشريف أن رستم "فنان لديه فطرة مثقفة تجعله يعي أهمية أن لا تُلهي حركة أو إشارة مميزة عن جملة حوارية أو العكس".


لم يُنصب زكي رستم رائدًا لمدرسة الاندماج من فراغ، بل لقدرته على تقمص الأدوار التي يؤديها بأسلوب خاص به، فيقدم دور الأب، أو المعلم، أو الباشا أو غيرها من الشخصيات التي نراها، بأدق التفاصيل التي يخلقها خصيصًا للدور، وينتهي تقمصه لها مع انتهائه من أداء الدور.

يندمج زكي رستم في أداء الأدوار إلى درجة هائلة تجعله لا يقبل البدء في التصوير إلا بعد معايشة تامة للشخصية، فيذكر الفنان فريد شوقي في لقاء تلفزيوني له مع فاروق الفيشاوي، عند التحضير لفيلم جعلوني مجرمًا اتفق فريد مع المنتج رمسيس نجيب أن يقوم زكي رستم بأداء دور زهران بك، وعندما التقوا لتوقيع العقد وبعد أن حصل زكي علي شيك أجره في الفيلم، وبلغ وقتها 800 جنيه، ثم علم أن التصوير سيبدأ بعد يومين، فقد أعصابه ومزق الشيك وزعق غاضبًا "إحنا هنهزر، أنا لازم أعيش في الدور الأول وأحضرله، بقى أنا أصور بعد بكرة؟"، ورفض الدور الذي ذهب لاحقًا إلى الفنان سراج منير.