قطعة الفحم الشهيرة التي مرّرها رئيس الوزراء الأسترالي على أعضاء البرلمان عام 2017

"فحم ما تخافوش منه": كيف نفهم حرائق أستراليا؟

في كتاب "عبور أستراليا مرتين" الذي يوثق رحلاته في جنوب وغرب أستراليا بين أعوام 1872 إلى 1876 قال الرحالة الإنجليزي الشهير إرنست جيليز "كان شغل السكان الأصليون الدائم إشعال الحرائق، إشعال الحرائق للأبد، حتى أن المرء يعتقد أنهم يعيشون على النار وليس الماء".

ربما لا يخلو أي كتاب للأوروبيين الأوائل عن إشارة إلى الحرائق بشكل أو بآخر. وشكلت أعمدة الدخان المتصاعدة في الأفق مع اقتراب سفن المستوطنين إلى السواحل الأسترالية مشهدًا دائمًا في رسومات وحكايات تلك الفترة.

ومع استيطان الأوروبيين للقارة بات عليهم هم أيضًا تكوين علاقتهم الخاصة بالنيران؛ فكل صيف تحترق أستراليا وتهدد الممتلكات والأرواح. كانت سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز هي أول محطة وصول للأوروبيين، لكنها تقليديًا ليست مكانا للحرائق الكارثية، على عكس ولاية فيكتوريا وعاصمتها ملبورن.
وربما في إشارة رمزية للمصير المحتوم لتلك الولاية اندلع أول حريق هائل نراه في سجلات المستوطنين الأوروبيين في نفس عام تأسيس ولاية فيكتوريا، وهو عام 1851، حيث التهمت النيران خمسة ملايين هكتار من الولاية الوليدة وأودت بحياة 12 شخصًا، كما تسببت في إهلاك ملايين من الخراف وآلاف من رؤوس الماشية بالإضافة إلى الكثير من الحيوانات البرية، وأطلق عليه حريق الخميس الأسود.

مثلت تلك أول حلقة من سلسلة طويلة من الحرائق الكارثية والتي شكلت طريقة تعامل الدولة الحديثة في أستراليا مع حرائق الغابات. فكانت حرائق عام 1939 الكارثية هي الدافع وراء وضع ملامح أول خطة وطنية في البلاد للتعامل مع الحرائق. هذه الحرائق التي سميت بـ الجمعة السوداء ضربت ولاية فيكتوريا، فدمرت 650 منزلًا وقتلت 71 شخصًا وأسفرت عن فتح تحقيق وطني نتج عنه تغيير جذري في طريقة إدارة الغابات في البلاد.

تقرير اللجنة الملكية عن حريق عام 1939 المرفوع لغرفتي البرلمان. الصورة: سكرين شوت- المنصة

في هذا العام كان ثلاثة أرباع الولاية قد تضرر من النيران بشكل مباشر أو غير مباشر، وقالت لجنة التحقيق في تقريرها إنه "بدا كما لو كانت الولاية بأكملها تحترق يوم الجمعة الثالث عشر من يناير عام 1939".

توالت المواسم الكارثية مثل حرائق الثلاثاء الأسود عام 1967 في تازمانيا، وأربعاء الرماد الأول والثاني في جنوب أستراليا عامي 1980 و1983، وحرائق الكريسماس الأسود في نيو ساوث ويلز في 2001، وحرائق 2003 في مقاطعة العاصمة كانبرا التي قضت على 70% من المساحات الخضراء في المقاطعة.
القائمة تشمل الثلاثاء الأحمر 1898، والأحد الأسود 1955، وحرائق مقاطعة أراضي الشمال عام 2002، وهي الأكبر من حيث المساحة المدمرة، إذ التهمت ما يقرب من 40 مليون هكتار.

لماذا تندلع الحرائق في أستراليا باستمرار؟

الحرائق في أستراليا ليست حدثًا عرضيًا، لكنها جزء من دورة حياة الطبيعة في القارة مترامية الأطراف. هناك مساحات واسعة من الحشائش والغابات مع طقس حار ومواسم جفاف متكررة، وعند إضافة نقص معدلات الرطوبة في التربة إلى المعادلة، يصبح المشهد جاهزًا للاشتعال لأقل سبب.

قد تكون شرارة البداية ضربة برق، أو خطأ فردي أو شخص مهووس بإشعال الحرائق، ولكن بمجرد اشتعال الحريق قد يستمر شهرين أو ثلاثة دون توقف.

الموسم الحالي سبقته فترة جفاف طويلة، بل إن مكتب الأرصاد قال في تقريره السنوي إن عام 2019 كان الأكثر جفافًا على الإطلاق منذ بداية السجلات في أستراليا، كما تجاوز متوسط درجات الحرارة في القارة المتوسط المعتاد بمقدار 1.52 درجة مئوية. وشهدت نيو ساوث ويلز وعاصمتها سيدني، درجات حرارة قياسية حطمت الأرقام القياسية المسجلة منذ كارثة عام 1939. وهذه نفس الظروف التي سبقت أسوأ حرائق غابات في تاريخ أستراليا: حرائق السبت الأسود عام 2009 والتي أودت بحياة 173 شخصًا ودمرت أكثر من ألفي منزل وغيرت من طريقة تعامل ولاية فيكتوريا مع الحرائق.

على الأرجح ستغير حرائق الموسم الحالي من طريقة استعداد وتعامل ولاية نيو ساوث ويلز، أكبر المتضررين خلال الموسم، مع الحرائق. حتى الآن قُتل 28 شخصًا منهم 20 على الأقل في نيو ساوث ويلز، كما بلغ عدد المنازل المدمرة في الولاية وحدها 2136 . وإجمالا وصلت مساحة الأرض المحترقة منذ بداية الموسم 10 مليون هكتار وهي مساحة تعادل مساحة أيسلندا وتتجاوز مساحة عدد من الدول العربية مثل الأردن والإمارات.

كولاج متداول لطريق وسط الغابات قبل وبعد حرائق 2019. الصورة: تويتر

كيف أدار السكان الأصليون الحرائق؟

وصل كابتن جايمس كوك إلى سواحل أستراليا عام 1770 وأعلنها منطقة خاضعة للتاج البريطاني لتبدأ رحلة تأسيس المستعمرات الأسترالية والتي انتهت بإعلان الفيدرالية عام 1901، وتأسيس أستراليا الحديثة. ما تزال حتى الآن الملكة إليزابيث الثانية، ملكة إنجلترا، هي رأس الدولة في أستراليا، وصورتها منقوشة على العملات النقدية ولديها ممثل في البلاد يحمل لقب الحاكم العام وإن كان منصبه شرفيًا.

أستراليا الحديثة تلك لديها استراتيجية واضحة للتعامل مع النيران، مكافحة الحرائق بالمياه في محاولة لإخمادها، ورغم أن هذه تبدو فكرة بديهية لا تحتاج إلى نقاش إلا أنها على العكس تمامًا مما كان يفعله الأوصياء التقليديون على هذه الأرض.

قبل وصول المستوطنين، كانت هناك حضارة مستمرة دون انقطاع في هذا الجزء المعزول من العالم، يعود تاريخها إلى 40 ألف عام أو أكثر. قامت ثقافة السكان الأصليين أو الأبورجينيين نسبة إلى كلمة Aboriginal على إدارة الحرائق باستخدام النار وليس الماء. السكان الأصليون طوروا علاقة خاصة جدًا بالأرض والطبيعة وهي محور ثقافتهم كلها.

حتى هذه اللحظة يمكنك سماع حكماء السكان الأصليين وهم يتحدثون عن الصخرة المتعبة أو الأشجار الحزينة أو الأرض المريضة وغيرها من الأوصاف التي ترى هذه الطبيعة كأنها وحدة واحدة تنبض بالحياة، وهم جزء من هذه الوحدة الضخمة.

كان السكان الأصليون لا يطفئون النيران أبدًا. كل شعب منهم يتحرك في مساحة جغرافية محددة تسمى "البلاد" خلف الماء والطعام، وأثناء حركتهم الدائمة، يمكنك تقفي أثرهم من خلال الحرائق الصغيرة التي يتركونها خلفهم. استخدم الأبورجينيون النار من أجل التدفئة أو الصيد أو الطقوس، وفي كل مرة يشعلون فيها نارًا فإنهم يتركونها لتنتج حريقًا محدودًا يقضي على الأوراق الجافة والأغصان التي تشكل وقودًا للحرائق الكبيرة أولا بأول.

كما يفسح هذا الحريق الصغير الطريق لنمو نباتات الغابة التي يمكن أكلها. وبسبب حجم النيران الصغير؛ تصبح هناك فرصة كافية لهروب الحيوانات البرية. ولأن تلك الحرائق مستمرة، وتحرق "وقود النيران الكبيرة" أولًا بأول؛ فلا يوجد فرصة لانتشار هذه الحرائق خارج رقعة جغرافية محدودة للغاية.

هذا النمط المثالي لإدارة الغابات بالنار لا يمكن أن يتحقق إلا ضمن نمط حياة السكان الأصليين، والمعتمد على الارتحال الدائم والحرائق المحدودة الدائمة، ما يجعلنا نفكر أنهم طوّروا نمط الحياة هذا على مدار عشرات الآلاف من السنين استجابة لشروط النجاة في هذه القارة.

اعتمد السكان الأصليون أيضا على النار للصيد، فكانوا يشعلون حريقًا كبيرًا في مساحة من الأرض وينتظرون خارجها بالرماح في انتظار الحيوانات الفارة من النيران لصيدها.

النيران الاستباقية في مواجهة النيران الثقافية

حاول الأوروبيون اقتباس بعض تقنيات السكان الأصليين ولكن دون فائدة، فالحرائق الاستباقية Back Burning ليس لها نفس تأثير Cultural burning الذي يقوم به الأبورجينيين، لأنها لا يمكن أن تستمر طوال العام، كما أنها مكلفة وتشكل ضغطًا كبيرًا على الموارد المالية والبشرية للولايات، وفي النهاية لا يمكن حرق "وقود الحرائق (الأعشاب الجافة)" في كل مساحات الغابات مترامية الأطراف، إذ أن المجتمعات الحديثة مستقرة وليست دائمة الترحال.

تكتفي السلطات حاليا بالحرق الاستباقي للمناطق القريبة من المدن وخلال مواسم محددة، ما يترك الكثير من الوقود الجاهز للاشتعال في قلب الغابات.

مشهد صيد للسكان الأصليين باستخدام النيران المحدودة. اللوحة: جوزيف ليسيت 1820- المكتبة الوطنية الأسترالية

أين يقع نقاش التغير المناخي؟

يعتقد الكثير من العلماء والمدافعين عن البيئة أنه على الرغم من أن التغير المناخي لا يسبب حرائق الغابات في أستراليا إلا أنه يطيل من فترات الجفاف ويرفع درجات الحرارة ما يجعل الظروف المناخية التي تؤدي إلى حرائق الغابات الكارثية أكثر شدة وتكرارًا.

ما يعزز هذا الموقف هو تقرير رئيسي صدر عام 2008، توقع خلاله عالم الاقتصاد روس جانروت أن تبدأ مواسم الحريق في أستراليا مبكرًا وتنتهي متأخرًا. الجزء الأول من التوقع هو ما حدث خلال هذا الموسم.
المثير للانتباه أنه قال في التقرير الذي صدر قبل 12 عاما "هذه التأثيرات ستزداد مع الوقت، لكنها ستصبح ملحوظة بحلول عام 2020".

يطالب المدافعون عن البيئة الحكومة أن تعمل بجدية أكبر على مواجهة التغير المناخي، حتى لو أدى ذلك إلى فرض ضريبة على استخدام الوقود الذي يسبب انبعاثات الكربون أو رفع أسعار الكهرباء بسبب التحول إلى مصادر نظيفة ومتجددة.

لكن الحكومة الحالية تقول إنها بالفعل تملك أهدافًا لتقليل الانبعاثات وهي كافية وجيدة. وتعتمد حكومة الائتلاف المحافظ الحاكم على عوائد الصادرات الرئيسية من الفحم والغاز الطبيعي والتعدين. أستراليا هي أكبر مُصدّر في العالم للفحم بعائدات سنوية تقدر بنحو 67 مليار دولار، وثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم بعد قطر بعائدات تصل إلى 50 مليار دولار. ومع افتتاح مشروعات الغاز المسال الجديدة في الشمال؛ من المتوقع أن تتجاوز صادرات أستراليا نظيرتها القطرية لتصبح الأولى في العالم.

دجاجة عادل إمام وفحم سكوت موريسون

نتيجة لذلك؛ فإن أستراليا تتصدر قوائم الدول المتسببة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم مع عمالقة الطاقة الصين والولايات المتحدة والهند وروسيا والسعودية، كما تحتل المركز الرابع في قائمة أكثر الدول إنتاجًا للفحم الملوث للبيئة بعد الصين والولايات المتحدة والهند. ليس هذا فحسب، بل إن رئيس الوزراء الحالي سكوت موريسون هو أحد أكبر المدافعين عن استمرار الاستثمار في قطاع الفحم، فعندما كان وزيرًا للخزانة عام 2017، دخل إلى البرلمان حاملًا قطعة ضخمة من الفحم لتقديمها كحل لمشاكل انقطاع الكهرباء في أحد الولايات.

سكوت موريسون أو "سكو-مو" كما يُطلق عليه، قدّم في هذه الجلسة عرضًا أشبه بمشهد عادل إمام في فيلم مرجان أحمد مرجان عندما كان في البرلمان يعرض رغيف الخبز والدجاجة المجهدة. عرض موريسون حُفر في الذاكرة السياسية الأسترالية، خاصة عندما مرر قطعة الفحم لزملائه وهو يقول مازحًا "ده فحم.. ما تخافوش منه".

قضية الفحم هذه كانت أحد العوامل الحاسمة لخسارة حزب العمال الصادمة للانتخابات في مايو/ آيار الماضي، حيث خسر الحزب أصوات قاعدته العمالية التقليدية في ولاية كوينزلاند بسبب عدم وضوح موقفه من مشروع منجم أداني، Adani، للفحم في الولاية والذي يوفر دعمًا لاقتصاد الولاية و فرص عمل كبيرة، لكنه في نفس الوقت يسبب انقسامًا وطنيًا حول التأثيرات البيئية المدمرة لافتتاح منجم فحم جديد.

حاول حزب العمال إرضاء طرفي النقاش حول المنجم؛ فعاقبه سكان كوينزلاند بشكل قاس كلفه خسارة الانتخابات.
اليمين من جهته ينكر دور التغير المناخي في إطالة مواسم الحرائق، واتساع حجم الدمار الذي تسببه ويلقي باللوم على سوء إدارة الغابات والمحميات الطبيعية الواقعة تحت تأثير "السياسات الخضراء" والتي تعني عدم التخلص من الأغصان والأوراق بمعدلات كافية.

المثير للانتباه أن الطرفين يقولان إن الحل هو العودة لطرق السكان الأصليين القديمة في التعامل مع حرائق الغابات، لكن لكل منهما تفسير لمعنى هذه العودة يدعم وجهة نظره. لكن الآن يبدو أن وجهة نظر المدافعين عن البيئة تكسب أرضًا في النقاش السياسي تحت تأثير تلك المشاهد المروعة للحرائق، والزخم الذي يحظى به الخضر وحركة البيئة في مختلف أنحاء العالم.

ولكن في خلفية المشهد، يظهر صوت خافت يعتبر ما يحدث أمرًا لا مفر منه، باعتباره ضريبة حتمية لاستيطان أرض الشعوب الأصلية وإدارتها بشكل يهمش معرفة السكان الأصليين بأراضهم والتي كونوها عبر عشرات الآلاف من السنين.