مقابر النصر في القاهرة صورة مفتوحة المصدر من المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. تصوير: مصعب شحرور

عن الموت والمغادرة.. وجروح القلب الثقيلة

نعم تعلمنا الفيزياء أن الفراغ لا يبقى فراغًا، وأنه سيمتلئ بأشخاص جديدين سيخلقون ويكملون ما بدأه المغادرون. لكن تبقى الجروح، والوحدة، والفراغ، أمورًا ثقيلة لا يصلح تذكر قوانين الفيزياء في جعلها أكثر خفة.

نعرف أننا سنموت.. ربما هي الحقيقة الأزلية التي لا مهرب منها. يراه البعض قريبًا، ويبدو بعيدًا لآخرين. يبدو أحيانا دافعًا مثيرًا للحياة، وأحيانا أخرى دليلًا على لا جدوى كل شيء.. لكنه مؤلم.


يصنع الموت جروحًا في قلوب الباقين، جروحًا لا شفاء منها. ربما يمنح الزمن للبعض وقتًا كي يجعل تلك الجروح أكثر جفافًا، لكنها لا تندمل، تبقى في القلب تذكر الباقين بأن العالم يصبح أكثر فراغًا ربما، أكثر وحدة، وبأن الخطوات التي يقطعها الواحد تقربه أكثر من المغادرة.


يموت الناس كل يوم، وأيضا يولد الناس كل يوم، لكن ثمة أيام يبدو فيها أن الموت أكثر نشاطًا في جهة بعينها، أكثر دأبًا في جمع أشخاص بعينهم، وهذا ما يشبه تلقي ضربات متتابعة، موجعة، تجعل القلب غيرُ قادرٍ على إدراك كم هي عميقة ونازفة تلك الجروح التي تغز القلب بلا توقف.


بشير السباعي في منزله. تصوير: محمد فرج

خلال الأيام الماضية رحل عن عالمنا عدة أشخاص كان لهم تأثيرُ على مستويات عدة، خاصة على مستوىً معنوي يخص صناعة الثقافة في بلد يعاني طوال الوقت من قلة صانعي الثقافة الحقيقيين، المؤثرين، المساهمين في خلق قيم تدفع إلى الخلق والتمرد والإبداع.

سيد سعيد، فردوس بهنسي، بشير السباعي، حنان كمال، هاني شكر الله، محسنة توفيق.. كل منهم مشى خطوته، وضع حجرًا في بناء حياة أفضل لأكبر قدر ممكن من البشر، آمن بالعدل، وبالحرية، وبالحب، ثم رحل.


محسنة توفيق من فيلم إسكندرية.. ليه؟ 

هنا لا يصبح ألم الموت ألمًا شخصيًا فقط، هنا يتضاعف الجرح الشخصي الذي يربط أصدقاء ومحبي الراحل، بالفراغ الذي يتركه الرحيل، لأن الأمر يبدو كما لو أن قيمة ما، مهمة في استمرار العالم قد اختل مقياسها.

نعم تعلمنا الفيزياء أن الفراغ لا يبقى فراغًا، وأنه سيمتلئ بأشخاص جديدين سيخلقون ويكملون ما بدأه المغادرون. لكن تبقى الجروح، والوحدة، والفراغ، أمورًا ثقيلة لا يصلح تذكر قوانين الفيزياء في جعلها أكثر خفة.


هاني شكر الله. من صفحته على فيسبوك

الراحلون عن عالمنا هذه الأيام، رحلوا وقد ترك كلا منهم حياة حافلة فيها عائلة، وأصدقاء، ومحبين، وتلاميذ، منهم من صاروا أساتذة، ومنهم من ينتظر.

وتركوا أيضا حكايات، وبسمات، ومواقف تعين آخرين على الاستمرار، والمقاومة، والمواصلة، وتركوا أيضا رصيدًا ثقافيًا ساهم بدرجة أو بأخرى في تطوير وتثوير حياتنا الثقافية في ربع القرن الأخير بلا مبالغة.

ترجمات وكتابات طليعية، وأفلام سينما مغايرة، ومقاومة لأمراض قدرية، وتجارب صحفية كانت علامات ضوء ساطع في وسط ظلمة كاسحة، ونضالات سياسية لا يهم إن أخفقت أو وصلت لأهدافها ولكنها صنعت فارقا في تاريخ تلك البلاد - حتى وإن كان فارقا صغيرًا.. فكما علمتنا قوانين الفيزياء مرة أخرى أن التراكم الكمي يؤدي إلى تغير كيفي- والراحلون عن عالمنا هذه الأيام صنعوا تراكمات كمية، صنعت وتصنع وستصنع تغيرات كيفية في حياتنا، ولكن ما حيلتنا تجاه الألم؟


فردوس بهنسي. من صفحتها على فيسبوك

لم أعرف من رحلوا هذه الأيام بشكل شخصي كبير، جمعتني مواقف أغلبها عابر، ولكنه مؤثر، بالبعض منهم، ولكن هل يصنع هذا فارقًا؟ يبقى الأثر الذي تركوه هو الفارق، تبقى اختياراتهم التي صنعوها، في لحظات شديدة الصعوبة في حياتهم الشخصية، وفي حياة البلاد هو المؤثر، وهو الضوء الذي تركوه.

يمكنني القول بأن الراحلين هذه الأيام رحلوا سعداء، باختياراتهم، وبإنجازهم، وبعائلاتهم التي صنعوها من أصدقاء ومحبين وأبناء وأحفاد، وبعقول كانت تزرع بذور الأمل، ولم يدعوا أنهم أمتلكوا الحقيقة.. لكنهم كانوا يحاولون..

كانوا يدركون أن أفعالهم الكمية ستصنع تغيرات كيفية.


حنان كمال. من صفحتها على فيسبوك

لكن.. " أنا أبكي على اللي حي.. ولا أبكي على اللي مات".. هنا ربما تكمن الأزمة، والجرح، والفراغ الذي يعصف بالقلب. نرجو أن يكون الراحلون قد مضوا سعداء، ولكن الفراغ حولنا هو ما يؤلم، أجل سيمتلئ الفراغ، لكن لحظة وقوع الفراغ لا يمكن الهرب منها، لحظة نهش القلب مؤلمة، ولا يزول الألم، والجرح كما نعلم لن يندمل، سيجف ربما، لكنه سيظل باقيًا إلى أن يحين موعد رحيلنا نحن.

ربما ما يؤلم في تتابع تلك المغادرات، هو الوقت الصعب الثقيل الذي نمر به في البلاد، هذا الانكتام، الكآبة، الهزيمة، الوحدة، السخرية من أحلام بحياة أفضل. وكان الراحلون بحياتهم المديدة، وتجاربهم المختلفة، واختياراتهم في أوقاتهم الصعبة، يذكون بداخلنا شعلة الأمل، بأن لا شيء يستمر، وأنها "راح تنتهي.. ولابد راح تنتهي"، وأننا برحيلهم نصبح أكثر وحدة، ونشعر أن الموت أيضا يعمل ضد أن نكون في صحبة هؤلاء.. أصحاب "مبدأ الأمل".


سيد سعيد. من صفحته على فيسبوك

كل الحب والسلام على من رحل، ويبقى لنا نحن الباقيين، ما تركه المغادرون من أفكار، وإنتاج، وإخفاقات، وبذور أمل بعالم أفضل، وجروح في القلب سنربت عليها، ونهدهدها، ونحاول أن نصنع نحن أيضا شيئًا يخصنا مما تركه فينا الراحلون.


إقرأ أيضا: بشير السباعي.. الشاعر المسكون بآلهة كثيرة