تصميم: يوسف أيمن- المنصة

طائفة الشحاتين.. موجز تاريخ فشل دولة

يبدو من الصعب الوصول للأزمة الأولى التي أفرزت الشحاذة، لكن يمكن القول أنه عادة ما ارتبط التسول والشحاذة بالأزمات الاقتصادية

في إحدى ليالي القاهرة عام 1695 ضجَّ الفقراء والشحاذون، حول مقر حكم الوالي إسماعيل باشا يصيحون "مُتنا من الجوع"، لكنّ الباشا لم يُجب، فرجموا القصر بالحجارة، ثم خرجوا إلى الأسواق فنهبوها، لتبدأ مرحلة غلاء أشد وطأة، هجر على إثرها أهل القرى أراضيهم ولاذوا بالقاهرة، حتى ضاقت بهم الأزقة.

لم تكن الواقعة التي ذكرها الجبرتي في حوادث منتصف المحرم 1107هجري (1695 م)، جديدة، فالمشهد يتكرر مع كل أزمة مرَّ بها المصريون، خاصة في العصرين المملوكي والعثماني، لكن الجديد هذه المرة أنها رسمت تطور مقاومة الفقراء لتلك الأزمات، بدءًا من طرق أبواب الحاكم، إلى السلب والنهب، ثم العودة للحاكم مرة أخرى، الذي يختار الحل الأسهل ويأمر بتوزيع أموال بعض الأغنياء على الفقراء.


اقرأ أيضا: الخانقاة النظامية.. ضحية عدوان الفرنجة وإهمال المصريين


نتجول هنا بين صفحات كتب المؤرخين لنرصد حال فئات كبيرة الحجم دفعها فشل الدولة عبر التاريخ إلى امتهان التسول، ودفعت هي ثمن هذا الفشل، واستعملتها الدولة حينا وقمعتها أحيانا، لكنها لم تستطع حل الأسباب التي تدفع إلى الشحاذة.

يبدو من الصعب الوصول للأزمة الأولى التي أفرزت الشحاذة، لكن يمكن القول أنه عادة ما ارتبط التسول والشحاذة بالأزمات الاقتصادية، ولازمت تلك الظاهرة كتابات مؤرخي العصور الوسطى عند الحديث عن الأزمات الطاحنة التي كانت تعصف بالعامة بين فترة وأخرى، إذ كان غياب تدخل الدولة في تخفيف حدة الفقر يعني أن عددا من الذين لا يجدون قوت يومهم سيتجهون إلى التسول وطلب الصدقات شفاهة أو بتأدية أعمال هامشية.

وتضع ورقة بحثية نشرتها مجلة الخدمة الاجتماعية 2017، تعريفًا للتسول بأنه طريقة للحصول على المال بغير عمل يستحق، واستجداء عطف الآخرين، لنيل المال بطريقة مباشرة عن طريق طلب الصدقات، أو غير مباشرة عن طريق تأدية الأعمال الهامشية، مثل مسح زجاج السيارات- بيع السلع التافهة- توزيع السور القرآنية.

الأزمة الأولى بعد الفتح

بين عامي 705 - 706 م (87 هجري)، ضرب أول غلاء مصر منذ اعتبارها جزءًا من الخلافة الإسلامية، في عصر الوالي عبد الله بن عبد الملك بن مروان، هجر الفلاحون على إثر تلك الأزمة أراضيهم إلى المدن، حسبما يذكر المقريزي في "إغاثة الأمة بكشف الغمة".

يذكر المقريزي أن الوالي أمر بوشم الفلاحين الفارين من فقر القرى، على أيديهم وجباههم، وإعادة إرسالهم إلى أماكن مختلفة، في محاولة لتدارك انتشار طالبي الصدقات في شوارع المدن، وانتهى الأمر بثورة شعبية ضد غلاء الأسعار، وهجم العامة على قصر الوالي الذي فرّ منهم، فهاجمه قطاع الطرق واستولوا على ما معه.

مسجد ابن طولون بالقاهرة. الصورة: pixabay

خلال العصر الأيوبي (1174- 1250م)، ظهر لأول مرة مصطلح "حرافيش"، وأُطلق على جماعة من المتطوعين لخدمة الجيش النظامي، دون أن يكونوا جزءًا أساسيًا منه، وأطلق عليهم حينا آخر "حرافيش الإسلام"، حسبما يرى محمد النجار في كتابه "حكايات الشطار والعيارين".

وعندما خفت نجم الأيوبيون، خفت معه الدور القتالي للحرافيش، فانضموا إلى جموع العاطلين، واحترف جزء منهم التسول جنبًا إلى جنب مع طالبي الصدقات من الدراويش.

وخلال العصر المملوكي (1250-1571)، تحول معنى "الحرافيش" ليشير إلى سفلة الناس وأراذِلهم، كما يذكر رينهارت بيتر آن في "تكملة المعاجم العربية"، واصفا إياهم بالغلظة والفظاظة، ويذكر محمد دهمان في معجم الألفاظ التاريخية أن حرفوش هو الذي ليس له صنعة أو حرفة وهو فقير، وجمعها حرافيش وحرافشة وهم "أحط طبقات الشعب".

وبحسب بحث نشرته الجمعية العربية لعلوم الاجتماع عام 1989 يرى أن لفظة الحرافيش تشير إلى عدد من السمات الثقافية منها: سرعة البديهية، وسعة الحيلة، خفة الظل، الفهلوة والنفاق والشطارة، وكان مما يهابه الأجانب القادمون إلى مصر.

شهد العصر المملوكي أزمة أو مجاعة أو كارثة كل 4 إلى 5 سنوات، على مدار 288 عامًا، وكان ذلك كافيًا لانتشار وترسيخ التسول كحرفة.

دولة المماليك.. دولة انتاج الأزمات

أنتجت الأزمات المتكررة، التي سارت بوتيرة أسرع وأشد وطأة خلال العصر المملوكي، مستويات اجتماعية جديدة، ومنذ أول غلاء عرفته مصر، حتى عصر المماليك، وثق المؤرخون نحو 70 أزمة اقتصادية، ذكر منهم المقريزي 13 بين عامي 705 إلى منتصف القرن الرابع عشر.

لكن في المقابل ينقل قاسم عبده في كتابه "النيل في العصر المملوكي" 62 أزمة اقتصادية، وقعت بين عامي 1225 حتى 1513م، بمعدل أزمة أو مجاعة أو كارثة كل 4 إلى 5 سنوات، على مدار 288 عامًا، وكان ذلك كافيًا لانتشار وترسيخ التسول كحرفة.

التسول.. لتأديب النفس

وعلى فترات متباعدة، اعتقد الصوفيون، أن الفقر والشحاذة من طرق تأديب المريدين، حسبما يذكر عبد الوهاب الشعراني، أحد أكابر المتصوفين في القرن الرابع عشر الميلادي، الذي ينقل في كتابه "تطهير أهل الزوايا" عن علي الخواص قوله: "إذا أدّب الله تعالى عبدًا بالفقر والحاجة وضيق العيش، فلا تحسنوا إليه إلا بالرغيف وستر العورة، وإياكم أن تجعلوا له مالا أو تغنوه...".

ومنذ القرن الثالث عشر الميلادي كانت الاستجابة لأفكار الصوفية تتضاعف بشكل مذهل، خاصة في مصر، ومن هذه الطرق "القلندرية"، الذين سلكوا طريق التسول والشحاذة، ليصبحوا دروايش، ويورد أبو نصر السراج في كتابه "اللمع" حكاية عن أحد المتصوفين الذي اختار العيش على التسول والشحاذة، ليؤدب نفسه التي تكره سؤال الناس.

أحد منازل بولاق الدكرور القديمة. تصوير: حي مالك.

ويذكر علي باشا مبارك في الخطط التوفيقية، عند حديثه عن جامع ينسب للشيخ محمد الشربيني، أن الأخير أحد أرباب الأحوال والمكاشفات، ويطلق عليه شيخ طائفة الفقراء بالشرقية، وكان من طريقته أن يأمر مريديه بالشحاذة على الأبواب ويتعممون بـ"شراميط" البرد السود والحمر والحبال. (الشراميط بلهجة سكان دلتا مصر، يقصد بها قطع القماش البالية)

ويبدو أن تلك الفكرة الصوفية، تسللت إلى ثقافات القرى في صعيد مصر، ففي بعض قرى محافظة سوهاج مثلا، إذا رُزق الرجل ابنا ذكرا بعد طول صبر، يمر على البيوت يطلب الصدقات كطريقة لحمد الله وتذليل النفس، إلى جانب أن بعضهم يطلق على أبنائه أسماء تحمل معنى الشحاتة، دفعًا للحسد، ورجاء أن يعيشوا مدة أطول، ومن هذه الأسماء: شِحاتة- شحّات- شِحتَة.

تنظيم قانوني

زيادة أعداد المتسولين، أجبر الدولة على الاعتراف بهم في أوقاتٍ، وغض الطرف عنهم في أوقات أخرى، في حين أن طرق التخلص منهم لم تكن مجدية، ويذكر ابن إياس في بدائع الزهور، في حوادث 841 هـ (1437م)، أن الأشرف برسباي، عندما عاد من إحدى رحلاته، قرر توزيع الأموال على فقراء القاهرة، الذين تجمعوا حوله، حتى سقط عن فرسه، ما جعله حانقًا عليهم، وبناء على تلك الواقعة طلب لقاء سلطان الحرافيش، وشيخ الطوائف، وألزمهم بمنع الشحاتة في الطرقات، إلا للعميان وذوي العاهات.

لكن المحاولة الأولى للاعتراف بالأمر الواقع وتقنينه كما دراسة حول "ظاهرة التسول في القاهرة" حدثت لأول مرة في العصر العثماني (1517- 1798)، بعد ظهور طائفة الشحاذين، التي تمتعت بالتسول الصريح، وظهروا كقوة عددية يمكنهم أن يلعبوا دورًا في إحداث القلاقل والشغب، ما جعل الحكام يهابونَهم ويحرصون على إرضائهم، وهو ما ينقله- أيضًا- صلاح عيسى في كتابه "هوامش المقريزي".

بحسب الدراسة، فإن المؤرخين أطلقوا على فئة المعدمين اسم "الحرافيش"، وهي نفسها الفئة التي خرج من عباءتها الشحاذون، بل إن الكتابات التاريخية أحيانا لا تكاد تفرق بين الفئتين، جنبًا إلى جنب مع فئات أخرى كانت تحت عباءة الحرافيش أيضًا، منها: العياق- النهابة- أهل الحارات- الجعيدية- حشرات الحسينية، وغيرها.

أول حاكم تصدى لظاهرة الشحاذة هو الظاهر بيبرس عام 1265 عندما أمر بجمع العجزة الذين يتسولون عند خان السبيل وترحيلهم إلى الفيوم، وهناك خصصت لهم الدولة قرية، ورتب لهم بأمر السلطان رواتب تكفي حاجاته.

وبشكل عام، حظيت طائفة الشحاتين بمكانة لم تحلم بها خلال العصر العثماني، بداية من الاعتراف الرسمي للدولة، إلى الوزن الكمي، حتى أن السلطان أحمد خان (1693- 1695) عندما طلب ألفيّ عسكري مصري يتوجهون إلى كريت معهم إبراهيم بك أبو شنب، الذي استقبله شيخ الشحاتين مع طائفته يودعونه "الله يردك لينا سالم يا بيك لأنك أبو الفقراء" وعندما عاد جمع الشحاذون من بعضهم مبلغا ضخما، اشتروا به حصان مزركش وسرج مغرق ورشمة، وقدموه هدية فقبله إبراهيم بك، حسب رواية الجبرتي.

وبحسب آدم صبره في كتابه "الفقر والإحسان في مصر" فإن أول حاكم تصدى لظاهرة الشحاذة، هو الظاهر بيبرس، عام 1265 عندما أمر بجمع العجزة الذين يتسولون عند خان السبيل وترحيلهم إلى الفيوم، وهناك خصصت لهم الدولة قرية، ورتب لهم بأمر السلطان رواتب تكفي حاجاتهم، ورغم ذلك سرعان ما عاد أكثرهم إلى القاهرة مرة أخرى.

المحاولة الثانية كانت في أغسطس/ آب 1330م عندما أمر السلطان الناصر محمد، كل المجذوبين والبرصاء- الذين يعملون في الشحاذة- بمغادرة القاهرة والإقامة في الفيوم، لكن لا يوجد دليل على أن هذا الإجراء طبق بالفعل، ويبدو أن الأمر كان ردة فعل على هجرات الفلاحين إلى القاهرة.

مازال الجميع يأتي إلى القاهرة. الصورة: pixabay.

نهاية الطائفة

ظل الأمر كما هو عليه، حتى حكم محمد علي (1805- 1848)، إذ بدأ نظام الطوائف يتفكك، ليتبعه ذوبان التنظيم، وقد أمر الباشا بتجهيز كساوي ولوازم الشحاذين وإرسالهم إلى المارستان، وأن يُجازى صحاح الجسم منهم بالعمل في الأبنية الأميرية.

ويذكر كلوت بيك في كتابه لمحة عامة الى مصر أن محمد علي جمع أكثر من 400 شحاذ أسكنهم في مستودعات خصصت لهم، بغية القضاء على الظاهرة وهو ما لم يحدث، إذ ساهمت قرارات محمد علي الاقتصادية الحازمة في زيادة معاناة الفقراء والمعدمين، وتبع ذلك مزيدًا من الشحاذين وطالبي الصدقات، الأمر الذي اضطر الباشا أن يصدر أمرًا بمنع تحصيل الـ"فردة" على طوائف الشحاذين، والحانُوتية، والنساء اللواتي يُستأجرن للنواح خلف الجنازات تصنعًا "الندابات أو المعدِدات".

ملامح وأوصاف عبر التاريخ

عندما زار المستكشف التركي أوليا جلبي مصر في الفترة بين 1676- 1682 ذكر في كتابه الرحلة إلى مصر والسودان، عدة مشاهد عن المجاذيب والشحاذين الذين يتسولون لنيل الصدقات، حتى أن المقابر في أيام الجمع لا يمكن السير فيها من كثرة الشحاذين.

يروي جلبي "بعضهم حسن المظهر يقترب منك يلقي السلام ويتحدث بأدب وظرف ثم يطلب صدقته، إلى جانب آلاف المجاذيب الطلقاء بعضهم يأخذ النقود وبعضهم يمشون عرايا كما ولدتهم أمهاتهم، ولا قانون يوجب مواجهتهم لأنهم اختاروا الفقر والفاقة".

"يكثر في القاهرة الدراويش الأتراك والفرس، الذين تنطبق عليهم صفة الوقاحة أكثر من الدراويش المصريين، إذ يوزعون بين المصلين ورقا مكتوب فيها استجداء، ويرتدي معظمهم أثوابا خاصة"
إدوارد وليم لين

ويتفق ما نقله علماء الحملة الفرنسية في موسوعة وصف مصر التي نشرت لأول مرة عام 1809، مع إدوارد وليم لين في "عادات المصريين المحدثين" عن أنشطة مستترة للتسول في تلك الفترة، تتنوع بين الرواة، وعازفي الربابة، والندابات اللواتي يستأجرن للبكاء خلف الجنائز، والمهرجين، والحواة، وبائعِي العرقسوس، والرفاعية، والمشعوذين، وغيرهم، بل إن الطبقات الدنيا نفسها كانت لا تجد حرجًا من استجداء طبقات الأغنياء.

لكن إدوارد وليم لين يقدم في كتابه الصادر لأول مرة عام 1836، وصفا دقيقا لفئة أخرى تمارس التسول، هم دراويش الصوفية من المصريين والأجانب، الذين يحيون في تجوال وتسكع، يحملون عصا تجمعت في رأسها رُقع ثياب من ألوان مختلفة، ويرتدي بعضهم ثيابا غريبة عجيبة تتلون أوصافها، حسب وصفه.

يتابع: يكثر في القاهرة الدراويش الأتراك والفرس، الذين تنطبق عليهم صفة الوقاحة أكثر من الدراويش المصريين، إذ يوزعون بين المصلين ورقا مكتوب فيها استجداء، ويرتدي معظمهم أثوابا خاصة.

فنون الشحاذة: الكدية والأُدباتية

عندما انتقد عباس العقاد في كتابه الديوان ، الذي طبع للمرة الأولى عام 1921، قصيدة رثاء كتبها أحمد شوقي، قال العقاد "إنها مما يسمع من أفواه المكدّين "كلها حكم يؤثر مثلها حملة الكيزان والعكاكيز إذ ينادون: دنيا غرور كله فاني- ياما داست جبابرة تحت التراب...".

أطلقت لفظة "الكدية" على نوع من الشحاذة والتسول، الذي يستخدم فيه الحيل الأدبية، وانتعشت في مصر إبان العصر المملوكي، وأطلق على أصحابها "الأدباتية"، ولا يستبعد أحمد رشدي صالح في كتابه "الأدب الشعبي" أن يكون فريق من أولئك "الكدية" امتهن حفلات الزار منذ أمد، فصارت رئيسة الزار تسمى "كودية".

ويورد النديم في مجلة الأستاذ في عددها الصادر 6 يونيو/ حزيران 1893، ما وقع له في مولد السيد البدوي مع الأدباتية، وفن الزجل الذي يناظرون به بعضهم بعضا، طلبا للصدقة في مهارة وخفة.

يتشابه هذا الفن مع فئة كانت تمر على البيوت في قرى صعيد مصر أوقات الحصاد والأعياد، والمناسبات الدينية، مرددين مناداة، تلقى بطريقة تلفت الانتباه، منها "وحلّ جبر الخواطر"، "كله على الله"، "يا رب يا هادي.. العاطي هو الله"، "بيت الكريم عمره ما ينضام"، وغيرها.

ويذكر أحمد أمين في قاموس العادات، أن الأدباتية جزء من الجعيدية، الذين يعملون غالبا في الشحاتة، لكن الأدباتية يستخدمون أغانٍ وأسجاعٍ وأزجال خاصة في التسول، ويقع ضمنهم الندّابات اللواتي يشبهن فصاحة الأدباتية، حسبما يذكر أمين.

وخلال فترة الاحتلال الإنجليزي وحتى 1952 كان المداحون يتنقلون في القرى والأحياء الشعبية ينشدون قصص الأنبياء والأولياء ويتلقون "النقوط" من المستمعين، وهما نوعان: المداح السوامري الذي يقيم سامرا في السوق والمولد، والثاني المداح السرّيح الذي يمر على المنازل منشدا، ليلطلبو الصدقة بشكل ضمني لا صريح، هذا إلى جانب الأدباتية الذين كانوا يرددون الشعر ويرتجلونه أحيانًا لنيل الصدقات.

قرارات حديثة ضد التسول

في عدد 12 سبتمبر/ أيلول 1897، نشرت مجلة الزراعة قرار نظارة الداخلية منع التكفف في دندرة جنوبي مصر، وشمل القرار مسافات بعيدة جدًا من المساكن، لم يذكر القرار سببًا لاستهداف هذه المنطقة بالذات، لكنه عاد في ديسمبر ليشمل مناطق أخرى في الإسكندرية، وعلى إثره أصدرت مديرية جرجا بصعيد مصر، قرارًا مماثلا بمنع التكفف في البلينا وشارع البحر الأعظم، بحسب ما نشرته جريدة الزراعة الصادرة في تلك الفترة.

قرار محافظة الإسكندرية بمنع الشحاذة عام 1897. الصورة: مجلة الزراعة

قرار منع "التكفف" في مديرية جرجا من مجلة الزراعة

تكررت مواجهة التسول والشحاذة على فترات كثيرة، إلا أن تلك المرة شملت مناطق بعيدة عن العاصمة، والواضح أن الأمر كان له علاقة بالزائرين الأوربيين الذين كانوا يتعرضون لمضايقات جراء تلك الظاهرة.

وتذكر ورقة بحثية نشرت 1999، خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كانت مهنة الشحاذة، تشير إلى حضور عام للفقراء المتجولين من الجنسين في القاهرة، ما جعل كثير من الكتاب الأوربين يحذرون من تلك الظاهرة المنتشرة في شوارع مصر، خاصة ما نقلته صحيفة إيجبشان جازيت.

كانت التحذيرات تتوقع تعرض أي من المسافرين إلى مصر، لمضايقات من قبل المتسولين وأطفال الشوارع، فشملت كتيبات السفر نصائح لطرق التعامل معهم، حسبما يذكر البحث.

أمر الفرنسيون بجمع الشحاذين، لتنفق عليهم نظارة الأوقاف، ويبدو أن قرار الحملة لم يكن عبثًا، خاصة بعد انضمام جماعة من الحرافيش للمقاومة الشعبية تحت قيادة بعض مشايخ الأزهر.

ويذكر رفاعة الطهطاوي في كتابه مناهج الألباب، أن الحملة الفرنسية عندما دخلت مصر أصدرت قانونا، للقبض على الشحاذين والمتسولين، ليرسلوا إلى سجن القلعة ما لم يكونوا من ذوي العاهات، وهو ما يُؤكده الجبرتي أيضًا في أحداث نوفمبر/ تشرين ثاني 1800، إذ أمر الفرنسيون بجمع الشحاذين، لتنفق عليهم نظارة الأوقاف، ويبدو أن قرار الحملة لم يكن عبثًا، خاصة بعد انضمام جماعة من الحرافيش للمقاومة الشعبية تحت قيادة بعض مشايخ الأزهر.

دائما القاهرة هي الهدف

مطلع القرن العشرين، كانت القاهرة تعج بالشحاذين، كان طالبو الصدقات يفدون إليها من البلدان المجاورة في أوقات الحج، في وقت كانت مصر تمثل معبرًا جيدًا إلى مكة، حتى إن كتاب "خبايا القاهرة" لمؤلفه أحمد محفوظ يصف الشحاذين في القاهرة بقوله "لولا الحواجز المستحدثة والجوازات لضاقت القاهرة بهم".

يذكر محفوظ أن بعض العابرين إلى مكة، كان يضيق به الحال، ومع الوقت بدأ موسم الحج يتحول إلى فترة خصبة للشحاذة، فأصبح هذا العمل فنًا، يتعامى بعضهم لأجله أو يتعارج أو يستأجر أطفالا صغارًا يعرضهم في أثمالِهم الممزقة، وهو ما تناولته عدة صحف ومجلات آنذاك.


اقرأ أيضا: رغم المناشدات اليائسة.. أكوام القمامة تغطي شوارع المحروسة


خلفت الحربين العالميتين، ظروفًا اقتصادية واجتماعية استثنائية، وعندما ضربت الأزمة الاقتصادية العالم عام 1929 فيما يعرف بـ"الانهيار الكبير"، لم يستغرق الأمر كثيرا لتظهر بوادر الأزمة في مصر عام 1930، خاصة بعد تعذر تصريف الحاصلات الزراعية، ما أدى إلى انخفاض مستويات المعيشة.

يروي الدكتور علي شلبي في كتابه "أزمة الكساد الكبير"، أن تلك الأزمة الاقتصادية تبعها زيادة مفزعة في أعداد الشحاذين بلغت في بعض التقديرات نحو 30 ألفا في القاهرة وحدها، حتى أفردت الصحف كتاباتها عن المتسولين في القاهرة.

وفي عام 1931 ألّفت الحكومة لجنة لإعداد مشروع لائحة لمنع الشحاذة والتسول في البلاد، ولم يكن الأمر سهلًا كما كان يظن بعض أعضاء مجلس الشيوخ المصري آنذاك، فقد كان الأمر يفرض التزامات مالية تضغط على ميزانية الدولة، واستمر الحال على ما هو عليه حتى 1933.

ويذكر شلبي أن وزير الداخلية في 9 أغسطس/ آب 1933 وقع قرارًا بتطبيق أحكام قانون التسول، واتخذت الداخلية الإجراءات اللازمة لإيواء العجزة والضعفاء في ملاجئ أنشئت لهذا الغرض، أما المتسولون القادرون فقد كلفوا بالعمل المنتج لكسب رزقهم، ومن يستمر في التسول يُسجن بعد محاكمته.

الآن.. من هو الشحاذ؟

في الثلاثين عامًا الماضية، أصبح الفقر ظاهرة مزمنة، إذ استمر نحو خمس السكان تقريبا يعيشون في فقر، كما أن نسبة كبيرة من السكان في مصر تعيش في ظروف قريبة من الفقر، وبالتالي فهذه الفئة معرضة لخطر الإفقار مع أي أزمة.

وبين عامي 2006 إلى 2015 ارتفعت نسبة الفقر من 16.7 لتصل إلى 27.8% بحسب بيانات البنك الدولي، الموضحة في الرسم البياني الذي أعده موقع متخصص في البيانات، في الوقت ذاته ارتفعت نسبة البطالة من 10% إلى 12.2%، وتذكر دراسة نشرت عام 1998، أن الفقر لم يسهم في تفشي ظاهرة التسول وحسب، بل وفر بيئة خصبة لإنتاج مزيد من أطفال الشوارع، ما يعني إعداد نسبة لا بأس بها من المتسولين الجدد، ومزيد من المهن الهامشية.

في عام 2017، احتلت مدينة القاهرة المركز الأول في أعداد المتسولين بين محافظات مصر، بنحو 4333، تلتها الإسكندرية بنحو 1572، في حين يقدر عدد المتسولين في مصر بنحو 11059، يحتل الأطفال العدد الأكبر منهم، حسب ورقة بحثية نشرتها مجلة العلوم الاقتصادية والإدارية والقانونية في عدد مارس 2017.

كان عدد الشحاذين على مدار تاريخهم، هو انعكاس لآداء الدولة، بل إن الدراسات التي تناولت الظاهرة- رغم قلتها- رأتهم مرآة لمجموعة الاختلالات الاجتماعية ومقياسًا للوضع الاقتصادي للدولة.